موت اللوحة

جورنال الحرية

كتب الدكتور/ محمود شوبر _ العراق

بين ضياع البوصلة وفقدان الاتجاه نرى ضبابية المشهد تعكس لنا صوراً واشكالا لا تعدو كونها تصورات من وحي خادع وايهام يشبه الى درجة مطابقة السراب الذي يحسبه الظمآن ماءاً.

حينما تخوض بمجال ما وانت مصاب ب(بالعمى) فنتاج ذلك انك تتجه دائماً بشكل متعثر ومرتبك نحو مناطق ابعد ماتكون عن وجه الهدف الذي تبغيه.

ابتدأ الحديث الان عن مجموعة من الاراء التي بنتيجتها تنتهي الى انتقال الفن الى عوالم اخرى غير (اللوحة) ، وواضح للقاريء الكريم اننا نتكلم عن فن (الرسم) ، حيث يرى البعض ان اللوحة المتعارف عليها (الثنائية) الابعاد اصبحت غير قادرة او غير مؤهلة الى ترحيل المضامين الكبرى الى المجتمع. في عالم اشيعت فيه ثقافة (الكومبيوتر) والبرامج الالكترونية التي من شأنها ان تأتي بكل شيء وتجعلنا احيانا جزءاً (افتراضياً) فاعلاً ضمن مناخات تكون غاية الدقة وغاية التجسيد، وقد تتطور هذه التقنيات الى مديات اوسع واكبر مما هي عليه الان وانا شخصيا اتفق مع ان التطور سيكون اكثر دهشة (ومطابقة) للمتغير العلمي الحاصل في هذه التقنيات التي اصبحت تسيرنا جميعاً وفق انظمتها مماجعل اخطر النزاعات التي نواجهها هي (الهجمات السيبرانية) التي تعتمد على (سفك دماء الكومبيترات الرقمية) وفض معلوماتها المتناهية السرية لتكون توطئة ل(سفك الدماء البشرية) التي ادمنت القتل منذ ان كان (الغراب) شاهداً ومعلماً.

والرأي هنا ان كل مايوجد في هذه الحياة ينقسم الى قسمين (اصول وفروع) ، وعادة ماتكون تلك الفروع محترمة بنفس درجة الاحترام لأصولها، وإن كانت احياناً لاتكتسب نفس الدرجة من الاهمية التي تصل في احيان كثيرة الى (التقديس). وبطبيعة الحال هذا نراه واضحاً بالاديان والعلوم التي سبق وان اعتبرتها ركائز كل المنجز (الحضاري الانساني) منذ الكهف الاول الى يوم يبعثون.

قبل ان يتداركنا الوقت بالسرد لهذا الموضوع الذي رأيته مهما وبالاخص لطلبة الدكتوراه والماجستير في الفنون الجميلة اللذين يحدثوني عن اساتذتهم بمفهوم (موت اللوحة) ، ارى من المفيد ان نعرف اللوحة .
اجرائياً ارى ان [اللوحة هي السطح الناقل للفكرة]. وهذا السطح ممكن تشبيهه في (علم الاتصال) {مرسل_ رسالة _ متلقي} اي ان الفنان هو المرسل والمتلقي هو الجمهور اما الرسالة هنا فهي اللوحة. اذا ماتفحصنا الثورة التقنية التي حدثت في الاتصالات نرى انها غيرت وجه الحياة بشكل لايصدق، وانها ماضية لابتكار سبل واليات جديدة ، ومن المفارقات التي عشناها والتي قد تكون مؤيدة وبقوة الى (دعاة) نهاية اللوحة، ان الرسالة التقليدية انحسرت بشكل كبير ولم نعد نرى (ساعي البريد) ببزته الزرقاء الجميلة وغطاء رأسه (المارشالي)، ولكن اذا ماعلمنا ان كل المراسلات والمكاتبات المهمة التي يجب ان تحافظ على تاريخها وتداوليتها تكون مكتوبة كتابة وموثقة بالشكل التقلييدي .
ولا بأس من الاستفاضة في الامثال التي تقارب بين وجهات النظر، ان الاشياء اليدوية (Hand made). تكون مفعمة بعاطفة (المنتج) او (الصانع) وهذا الذي لايقدر عليه كل كومبيوترات العلم ، اذا ما اتفقنا على النص القرآني الكريم(الذي يلزمني وقد لايلزم الكثيرين) {ويسألونك عن الروح قل هي من امر ربي}. فهذا الذي تفتقر اليه اعمال الديجتال ارت وغيرها من (موضات ) الفن تبقى تجارب وتبقى محترمة لانها جاءت بالجديد ولكن هذا ليس معناه انها قادرة امام غواية الرسم التي تاخذنا الى عوالم اخرى من البوح والاعلان المريح عن ذواتنا.

مالفرق الذي يجعل (سجادة بقياس 3X4) يصل سعرها الى 500.000$ وشبيهتها تباع ب500$ فقط؟

الفارق هو العاطفة الذي يبثها النساج في قطعته التي يقابلها لزمن يتعدى اضعاف الزمن الذي تحتاجه السجادة التي تنتج بالماكنة الى ارقام فلكية .

ماينتج من فن تجريبي في عصرنا الحالي او قبل هذا بكثير من فنون مابعد الحداثة مثل فن الضوء ،فن الجسد، فن الارض، فن الاوب ارت، فن البوب ارت وغيرها من الفنون التي اخذت حضورها في فترة من الزمن ولكنها لم تصمد امام هيمنة اللوحة ثنائية الابعاد التي اعتقد ان الوريث الشرعي ل(جدران الكهف) التي كان الانسان الاول يبث همومه عليها بصدق عالي نفتقد اليه في الكثير من الاحيان الان.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design