عاطف البطل يكتب في اليوم العالمي للغة العربية ” العربيةُ قضيةُ وطنٍ ومصيرُ أمة “

لغتنا العربية …
أكتب إليكِ معتذرا لعلكِ تقبلين اعتذاري وتغفرين زلاتي،أناجيكِ وأناديكِ وقد آلمني كثيرا ما أرى ، إذ كثرت الأخطاء وأنّت الحروف واستغاثت الكلمات،فأينما نذهب ،نجد خطأ ، سواء في اللغة أم الإملاء، وكلها شاهد عيان على أننا أمة لا تهتم بلغتها كما ينبغي ،فهل من مغيث !
إنّ اللغة العربية دررٌ وشذراتٌ ،نزلتْ من فوق سبع سموات ،نزلتْ على أفضل العرب والعجم ،سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم – وهي فريضة دينية نزل بها القرآن الكريم ،إذ قال تعالى :
(( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) سورة يوسف 2
(( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) سورة الزخرف 3
(( لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)) سورة النحل 103
إن الله تعهد بالحفاظ علي اللغة العربية وذلك بالحفاظ على القرآن الكريم ،حيث قال تعالى :(( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) “سورة الحجر 9” والذكر هو القرآن والقرآن بلسان عربي مبين .
وعندما مر سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – على قوم يسيئون الرمي فأنبههم فقالوا ” إنا قوم متعلمين ” فأعرض عنهم وقال لهم ” والله لخطؤكم في لسانكم أشد من خطئكم في رميكم ” ؛لأنهم قالوا “متعلمين “بدلا عن “متعلمون “
إن هذه الدلائل والشواهد المذكورة آنفا ، إنما تدل على أن اللغة العربية فريضة دينية يجب أن نتعلمها ونحسن استخدامها ، وقد يقول قائل : إن اللغة العربية الآن لا تصلح لغة التعليم ولا العلم ،وعلينا باللغة الإنجليزية بدعوى أنها لغة العلم والحضارة ، وهذا القول مردود عليه ، بشهادة المنصفين من الغرب أنفسهم ، فالعيب فينا لا في لغتنا ،فلا تلوموها ولوموا أنفسكم .
فاللغة العربية ظلت لغة الحضارة والعلم لمدة ثمانية قرون في وقت لم يكن في العالم بأسره إلا لغتان يكتب بهما العلم والفلسفة وهما العربية في الشرق واللاتينية في الغرب ، وذلك من القرن الثامن الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي في وقت كان الغرب يقبع تحت أجنحة الظلام في العصور الوسطى،بينما كانت الحضارة والمدنية في الشرق العربي الإسلامي ، ولهذا كان الغرب يرسل أبناءه ؛ ليتعلموا في الجامعات العربية في الأندلس الإسلامية ، وفِي أثناء ذلك وجدنا اعتزازا وانتماء للغتهم فما تركوها وما هجروها وإنما كانوا يقومون بالترجمة،وإن قابلهم مصطلح غير موجود في لغاتهم وضعوه كما هو ، من مثل : الجبر ، والكيمياء والجغرافيا،حتى في العصر الحديث ، وجدوا أن كلمة( انتفاضة) لا يمكن أن تكون هي كلمة ((revolution )) بمعنى ثورة ، فماذا فعلوا ؟ وضعوها كما هي بحروف أجنبية ،وهذا يمثل اعتزازا بلغتهم وانتماءً إليها .بعكس ما يفعل بعض العرب من المستعجمين.
يقول الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في سياق الحديث عن فضل الحضارة الإسلامية والتي كانت علومها باللغة العربية : ((إنّ هناك قدرا من الجهل بالفضل الذي تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامي،فالعالم الإسلامي في العصور الوسطى كان عالما ازدهر فيه الباحثون المتخصصون ورجال العلم،ولكننا جنحنا إلى تجاهل ذلك،وقللنا من أهمية ثمانمئة سنة كانت أوربا خلالها عالة على إسبانيا الإسلامية التي حافظت على العلوم والمعارف خلال عصور الظلام ،فالثقافة الإسلامية بالأندلس وضعت أساس اللبنات الأولى للنهضة الأوربية ))
ويقول جورج سورتن : (( سبق للعرب أن قادوا العالم مرتين في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الإنساني ، عاشت الأولى ألفي سنة على الأقل أيام اليونان وعاشت الثانية طوال أربعة قرون تقريبا خلال العصور الوسطى ، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم مرة أخرى في المستقبل القريب أو البعيد )) . فهذه إشارة بسيطة عادلة للدور الذي قام به المسلمون في خدمة الحضارة الإنسانية وكل هذا باللغة العربية أيها السادة، الذين تنكرون فضلها ،وتعتبرون أنها لا تصلح لغة للعلم رغم أنها لغة القرآن ، فالله – سبحانه وتعالى -اختارها هي دون غيرها لتكون لسانا معبرا عن كل العلوم التي حملها القرآن الكريم ما عرفناه وما سوف نكتشفه مستقبلا .

وقد تساءلت سابقا : أروني أمة في العالم تقدمت دون لغتها الأم !
انظروا إلى اليابان تجدوا أنها تقدمت باللغة اليابانية،وكذلك ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول التي تحترم لغاتها وتعتز بها، بل إننا نجد أن أشد الدول فقرا وتخلفا هي دول غرب إفريقيا التي تتحدث اللغة الفرنسية .
فلماذا نفعل نحن مع لغتنا ذلك ،لماذا نقابلها بالجحود والنكران والإهمال ،لماذا نحرص كل الحرص على تعلم اللغات الأخرى في حين أننا نخطئ في كتابة بعض الكلمات العربية ولا نعبأ بذلك؟!
لماذا يستخدم بعضنا ألفاظا أجنبية في السياق دون ضرورة ،حيث نشاهد أحيانا من يحرصون على إقحام الألفاظ الأجنبية في سياق حديثهم مع الآخرين رغم أنهم عرب ! أهو مظهر من مظاهر المدنية ؟
إنني أؤكد بأني مع تعلم اللغات الأجنبية ولستُ ضد ذلك أبدا ، بل تعلم اللغات ضرورة اجتماعية تقتضيها الظروف والأحوال، ولكن لا يكون ذلك ذريعة لإهمال لغتنا العربية والاستهانة به أو نعتها بصفات بعيدة كل البعد عنها .
إن الأمم الراقية المتقدمة هي تلك الأمم التي تحافظ على لغاتها وتعتز بها ؛لأنها تدرك تمام بأن اللغة هي الهوية وهي التاريخ ،وفِي هذا السياق أستعير كلام مدام دستايل الفرنسية – مع تحفظي على التشبيه الوارد – والتي تقول عن اللغة الفرنسية: ((إنها ليست كما هي عند غيرنا مجرد وسيلة لتوصيل الأفكار والأحاسيس أو التعبير عن شؤون الحياة المختلفة ، ولكنها آلة يجب على الإنسان أن يلعب بها فهي – أي اللغة الفرنسية – تحرك النفوس كالموسيقا عند قوم والخمور عند آخرين ))فما أجمل هذا القول ! يصدر من امرأة فرنسية تتحدث عن لغتها بهذا الحب والولع والانتماء  .فما ينبغي لنا نحن – العرب – أن نكون أقل منهم غيرة وحرصا فنغفل هذه الحقيقة ونهمل لغتنا ونضيعها.
“إن ما تريده اللغة العربية شيء من العزة تمليه الكرامة فإن لغة الشخص تاريخه وذاته “
إننا سوف نسير في رحابها وما أجملها ، ونعمل من أجلها فما أروعها ! ،ونرعاها حق رعايتها دون كلل أو ملل ،لا يهمنا حقد الحاقدين،ولا كلام المستهزئين المستعجمين .
إني أدعو جميع المثقفين والأدباء والكُتّاب من المخلصين أن يحملوا هذه الأمانة – أمانة اللغة العربية- فهي – والله – تحتاج إلى قلب صادق يشعر بمدى الخطورة التي تتعرض لها ، ولتعلموا أن النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة ، فإن كنّا نحن – العرب – لا نهتم بها ، فمن ذَا الذي يهتم بها،فهل من صحوة ثقافية تنهض باللغة العربية وتعيد إليها مجدها ؟

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design