زيارة نصف الدنيا

جورنال الحرية

كتب الباحث محمد قجة _ سوريا

في عام 2006 كانت احتفالية حلب عاصمة للثقافة الاسلامية عن المنطقة العربية , وكنت الأمين العام لتلك الاحتفالية . وفي الوقت نفسه كانت مدينة “أصفهان”في ايران تحتفل باختيارها عاصمة للثقافة الاسلامية عن المنطقة الآسيوية . وقد قمنا بتبادل الخبرات والزيارات والندوات.
———————-
حينما تدخل مدينة ” أصفهان ” يستقبلك عبق التاريخ في كل واحدة من زواياها وأركانها .
يقول لك أهل أصفهان عن مدينتهم ” أصفهان نصف جيهان ” أي أصفهان نصف الدنيا … وبداية تحسب أنهم مبالغون مغرورون … ولكنك تكتشف بعد فترة وجيزة أنك فعلاً في نصف الدنيا .
نغوص عميقاً في أغوار الماضي وأنت تبحث عن جذور نشأة المدينة … وعن معنى اسمها … ويبدو من روايات ياقوت وغيره أن الكلمة مركبة وتعني ” دار الجند ” أو ” المعسكر ” بصورة أدق .
ويضيف ياقوت في معجمه. وأصفهان صحيحة الهواء, نفيسة الجو خالية من جميع الهوام لا تبلى الموتى في تربتها ولا تتغير فيها رائحة اللحم, ويبقى التفاح فيها غضاً ولا تسوس فيها الحنطة .
ارتبط اسم المدينة في ذهني منذ الصغر بكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني. ولقد علمت حينما توسعت مطالعاتي أن أبا الفرج أمير أموي ينتهي نسبه إلى مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ولكنه ولد في أصفهان وانتقل شاباً إلى بغداد .
وحينما أنهى كتاب ” الأغاني ” حمله إلى حلب قاصداً سيف الدولة ليقدم إليه هذا الكتاب النفيس … وسيف الدولة في ذلك الوقت كان قبلة العلماء والأدباء والشعراء, وكانت حلب تعتبر عاصمة الثقافة بمن تستقبله من نوابغ المسلمين على امتداد بلادهم وقد كافأه سيف الدولة بألف دينار ذهبية من دنانير الصلات واعتذر بضيق ذات اليد. فقد كان في أخريات أيامه من عام
( 356 هـ ) وفي العام نفسه توفي … كما توفي أبو الفرج الأصفهاني .
***
وعودة إلى ياقوت فهو يقول في معجمه ” وقد خرج من أصفهان من العلماء والأئمة من كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن وعلى الخصوص علو الإسناد فإن أعمار أهلها تطول ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث و بها من الحفاظ خلق لا يحصون, ولهم عدة تواريخ … ”
حاولت أن أحصي من خلال عدد من المعاجم والموسوعات أسماء العلماء الذين يحملون اسم ” الأصفهاني ” فعثرت حتى الآن على 165 اسماً في مجالات العلوم المختلفة المكتوبة باللغة العربية, ولا يتفوق على أصفهان في ذلك سوى ” بغداد ” التي يرتبط باسمها أكثر من 250 عالماً وباحثاً يحملون لقب البغدادي . ويأتي من يحملون اسم الحلبي قي المرتبة الثالثة ، وفي المرتبة الرابعة من يحملون لقب الرازي نسبة الى مدينة الري بجانب طهران .
وإلى جانب أبي الفرج صاحب الأغاني هناك المؤرخ العماد الأصفهاني كاتب صلاح الدين وأبو منصور الأصفهاني وهناك من يحمل لقب الفقيه والمحدث والحكيم والجامع والمتكلم والأديب وحجة الإسلام والقاضي …
***
أصفهان العاصمة التاريخية والحضارية لإيران, يخترقها نهر ” بزندروذ ” ويدعوه أهلها نيل أصفهان. وأجمل ما فيه تلك الجسور المذهلة القائمة عليه وحولها المقاهي والاستراحات وبخاصة الجسر الطابقي بقناطره العديدة وممرات المشاة فوقه ووسطها ممر العربات … وفي وسطه قمرة ملكية كانت للسلاطين .
عرفت أصفهان الإسلامية دولة بني بويه. وعرفت دولة السلاجقة وقامت فيها دولة الصفويين على يد الشاه إسماعيل الذي ترك في المدينة كثيراً من آثارها العمرانية الفريدة .
تستطيع في أصفهان أن تتحدث العربية ويفهمك الناس بيسر … قال لنا دليلنا الإيراني الشاب حينما أبدينا إعجابنا بإتقانه العربية. إنني أتقن العربية لأنني حفظت القرآن الكريم يافعاً واستمرت دراستي للعربية .
تتجول في أسواق أصفهان .. في ساحتها الكبرى ” نقش جيهان ” اي صورة الدنيا ، وهي من اكبر ساحات المدن في العالم ، وفي طرف منها البازار الكبير الذي تجد فيه كل ما يخطر على بالك … فتخال نفسك في أسواق ” فاس “او في اسواق دلهي القديمة في الهند ، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب … هذه العملية الخارقة في المزج الحضاري التي عجز عنها الإغريق والرومان, وقامت بها بنجاح الحضارة الإسلامية بتسامحها وسموها وسعة أفقها .
الأسواق المسقوفة … تقاطع الأسواق … الزخارف الهندسية بالقاشاني الأزرق والأبيض … أسواق تتخللها الجوامع, الحمامات, السقايات, السجاد, النسيج المقصب, النحاسيات, الخشبيات, المجوهرات …
المساومة العجيبة بالأسعار … كنت أقف مع صديق لي أمام واجهة أحد المحال لبيع الخشبيات … سمع حديثنا شاب عابر اقترب منا وقال بالعربية: انتبهوا … إن بائعي أصفهان أشطر من السوريين !! فلا تسمحوا لهم أن يتشاطروا عليكم .
***
كانت رحلة أصفهان من أمتع الرحلات التي قمت بها . وقد القيت في جامعتها محاضرة بعنوان ” الحياة الفكرية في بلاط سيف الدولة الحمداني التغلبي في حلب ” … لعلها تراكمات التاريخ … لعلها تواصلات الحضارة … لعلها النسق العمراني … وهي في كل ذلك نصف الدنيا, ولكنني قلت لصديقنا الأستاذ في جامعة أصفهان مازحا : اذا كانت اصفهان نصف الدنيا فان حلب كل الدنيا .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design