التفوق بين الواقع والطموح

جورنال الحرية

كتب/ سامي الحاج حسين _ سوريا

*مؤكد أن تقدم الأمم لايتم إلا بمبادرة المبدعين والمخترعين والمتفوقين، لذلك كان جديرا ببلادنا تجميع المتفوقين من طلابنا بمدارس تخصهم،لتعزيز تفوقهم الفكري والمعرفي،لأنهم يستحقون كل الحب والاهتمام والدعم والتوجيه والإنماء،والعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة،ولأنهم ثروة إنسانية كبيرة للبلاد .
*لكن كيف نعلل التفوق..؟وماغايته..؟وكيف يمكنه أن يستمر..؟وهل يتجزأ تفوق المرء..؟وهل للتفوق درجات..؟؟
بالطبع ليس بالضرورة أن يكون المتفوقون نوابغا،لكننا نريد التركيز عن التفوق الدراسي والتحصيل العلمي الذي تقيسه الامتحانات،حيث يكون المتفوق مبرزا في كل المواد.
لأن هؤلاء المتفوقين لديهم جلد على مواصلة الدراسة،وقدرة عالية على الفهم والحفظ والتذكر،كما أن لديهم قدرة عجيبة على المثابرة والاجتهاد وبذل الجهد بدون كلل او ملل.
ويبدو أن لديهم دوافع نفسية قوية من أجل تحقيق ذواتهم وتأكيد هويتهم،وهنا علينا استغلال دوافعهم وتنميتهم،ولاشك أن لتوجيهات أهليهم ومتابعتهم دور فعال في دفع أبنائهم لمواصلة التحصيل الدراسي والتفوق.
كما أن علينا ألا نبخسهم حقهم،وألا نتغاضى عن امتيازهم،وألا ننتقص من حماسهم للدراسة،فهم جادون مجتهدون،بالقياس مع العاديين من الطلبة،كما علينا- من جهة أخرى- ألا ندفع بهم نحو “النرجسية” أو الغرور أو عقدة التفوق، ولأننا لانريد خداعهم وتضليلهم بآن معا،نقرر بأنهم ليسوا بعباقرة، فالعبقرية إنجاز كبير يتجلى في الإبداع نوعا وكما،وهي لاتتبدى من خلال اختبار المعلومات،أو الامتحانات التي لاتقيس إلا ماتختزنه الذاكرة.
*لكن بالنسبة لهؤلاء الدارسين؛نقول أنه لابد لدراستهم المتواصلة الحثيثة إلا وأن تؤتي ثمارها في النهاية،ونأمل أن تقودهم عملية التقيف مستقبلا إلى إبداع كبير بعد طول تأمل واختمار.
* لقد افتتحت مدارس خاصة للمتفوقين من وجهة نظر تربوية؛خشية عليهم من التعرض للإحباط أو الملل أو التوتر مع الطلبة العاديين.
*أما وقد أطلقت عليهم صفة التفوق؛فإن هذا اللقب على استحقاقهم له قد يصبح مؤرقا لهم،وسيغالبهم طوال العمر.
فصفة التفوق مسؤولية؛يتوجب على حاملها المراهنة على أحقيتها له؛ وعلى جدارته بها أمام المجتمع.
وهي صفة تتطلب الجدية التامة، والمثابرة،وبذل الجهد،والحرص على التقدم والنمو المطرد،وحرق مراحل للنمو،وهي تفرض على المتفوق نوعا من المنافسةالشديدةوالتحدي، والصراع مع حساده وأعدائه من زملائه،وتدفع به لرسم طموحات قد تكون أكبر من امكاناته، ومن آمال أهله،فتحمله أعباء كبيرة ومسؤولية مبكرة.
و سيغدو تراجعه لسبب ما عن التفوق،أمرا مؤلما له ومريرا،إذ يضعه التراجع -ولو قليلا-في موقف مهين ومحرج ومخجل وضعيف، فيعاني آنذاك من خيبة الأمل،والشعوربالذنب، والإحباط،والقلق، مما يدفع به للبحث عن مبررات واهية،قد لاتقنع أحدا أمام مساءلتهم له،وقد لاترضيه هو ذاته.
*وكما أن التفوق مسؤولية شخصية؛كذلك فهو مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية،فإذا كنا نهدف في مدارس المتفوقين إلى تأهيل الأوائل لأن يكونوا باحثين ومفكرين وعلماء و مخترعين؛فما من شك أن الوصول إلى هذه الأهداف؛لايمكنه أن يتم عبر المناهج التقليدية،لأن المناهج العادية مخصصة للطلاب العاديين،ومعدة أساسا للطالب المتوسط عادة، فلاتراعي في أساسها المستوى العقلي المتفوقين.
وغالبا ماتعتمد المناهج التقليدية على السرد والتحفيظ،ولاتحض- إلا فيما ندر- على التجريب، والتعلم الذاتي،كما أنها لاتحفز على الإبداع والنقد وفعالية المتلقين.
فإن على المتفوق أن يتجاوز مسألة التخزين للمعلومات إلى مسألة المنهجية في التفكير العلمي المنظم،والتفكير الإبداعي المرن، والتفكير النقدي التحليلي والشمولي.
*وتجدر الإشارة إلى أننا اليوم في عصر التخصص العلمي والصناعي؛ أخذنا نسلم بأن التفوق الشامل قد أضحى مستحيلا،وأنه لابد من تخصص الأفراد بحسب استعداداتهم وميولهم وقابلياتهم؛وقد بات يحق لنا التساؤل عما إذا كان ممكنا إيجاد مايسمى “بالتفوق بالمادة”، أو أن تكون -على الأقل-حصص الإثراء كيفية أو اختيارية للمادة من قبل الطالب .
فالحصص الإثرائية التي تعيد عرض المنهج الدراسي المقرر نفسه تشكل عبئا على الطالب فوق أعبائه،وتدفع به إلى الملل والتذمر واللامبالاة.
وكما ينبغي تخصيص مناهج متفوقة للمتفوقين،تحرضهم على التفكير والتعمق والإبداع، وعلينا أن نعنى بوسائل إيضاح وأجهزة ومخابر مناسبة،وبناء قاعات أنشطة متنوعة، وتعيين مدرسين تربويين أكفاء مبدعين،خاضعين إلى دورات تؤهلهم للتدريس الحديث وعبر الأجهزة التقنية، وأن تؤمن لهم داخل المبنى المدرسي مراجع ومكتبة غنية بكتب ثقافية منوعة، وأن يتم العمل على إيجاد مبدأ الحوافز والمكافآت للطلاب وللمدرسين والإداريين، وأن تؤمّن المواصلات للجميع.
*كما ينبغي أن تفيد بلادنا من تجارب البلاد التي سبقتنا في هذا المجال ،مع حرصنا الشديد على مراعاة بيئاتنا وتراثنا ومقومات مجتمعنا العربي.
* ونتساءل أخيرا :ماذا نخطط لمصير طلابنا المتفوقين..؟
هل نكتفي بتخريجهم أطباء وصيادلة ومهندسين..؟!
أو هل نكتفي بإعدادهم لمهن علمية وعمل وظيفي وروتيني..؟!!
أم أننا فعلا نريد أن نصنع منهم عقولا مفكرة نيرة،تبادر إلى اختراق الروتين؛وكسر الجمود؛وتحطيم التخلف؛وريادة المجتمع نحو الإبداع والكشف والتطوير والإنجاز والتقدم والتنوير.
وهل نعنى بهم لخدمة مجتمعنا أم لخدمة المجتمعات الأخرى التي تعمل على استغلال مجتمعاتنا وإغراء علمائنا ومبدعينا..؟!
.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design