العقارب والزنابير

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

ورد في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) لمؤلفه “الأنباري” حكايات طريفة عن الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة في مسائل النحو وعلوم اللغة. وليس “الأنباري” وحده الذي تحدث في هذا الموضوع بل نجد أصداءه في كتب كثيرة.

ومن هذه الخطابات أن “يحيى البرمكي” وابنه “جعفر” الوزيرين في بلاط الخليفة “هارون الرشيد” جمعا في أحد المجالس العلمية بين علماء من الكوفة وآخرين من البصرة للمناظرة في مسائل الخلاف. وقد مثّل مدرسة الكوفة “الكسائي” ومثّل مدرسة البصرة “سيبويه”.

وكانت المسألة المطروحة للنقاش هي القول: (كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي). وهذا مذهب “سيبويه” وأهل البصرة. أما “الكسائي” ومذهب أهل الكوفة فيقول: (كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها). واحتدم الجدال والخلاف بين الفريقين حول الرفع في قولنا: فإذا هو هي، والنصب في قولنا: فإذا هو إياها.

وعلى الرغم من تقدّم “الكسائي” في العمر، والشباب المبكر “لسيبويه”، وعلى الرغم من قرب “الكسائي” ومدرسته الكوفية من البادية ولهجة الأعراب، فإن “سيبيويه” الأعجمي الأصل أصرّ على رأيه وموقفه، لأنه كان ينظر إلى النحو في ضوء القواعد المنطقية العقلانية، وليس في ضوء المنقول فحسب. ومن هنا كان الخلاف بين مذهبي العقل و النقل في مسائل النحو، وتشعبه إلى سائر قضايا الفكر والفقه والعلوم الإنسانية المختلفة.

قال “يحيى البرمكي”: لنحتكم إلى الأعراب في باديتهم، وجاء جواب الأعراب بأن الوجهين جائزان، فيمكن أن نقول: فإذا هو هي. كما يمكن أن نقول: فإذا هو إياها.

كان “سيبويه” دون الثلاثين من عمره، ومع ذلك فقد وضع كتاباً في النحو وعلوم العربية بقي حتى اليوم المرجع الأول في مادته وميدانه ومنهجيته. وقد تتلمذ على “الفراهيدي” و”الدؤلي” وغيرهما، وسلك في كتابه سلوك الاستنتاج المنطقي والمنهج الواضح.. وهذا ما جعل مدرسة البصرة تتفوق في نهاية المطاف.
* * *

ويقال إن “جعفر البرمكي” الوزير الألمعي سأل “الكسائي” وفريقه المحاور من أمثال “الفرّاء” و”خلف الأحمر”:
ـ هل خرجتم في تفكيركم عن موضوع الرفع في قولكم “هي” وموضوع النصب في قولكم “إياها” إلى سؤال أهم وهو:
هل العقارب والزنابير هي وحدها التي تلسع؟ أم إن عقارب وزنابير أخرى أشد لسعاً من العقارب الحقيقية والزنابير الحقيقية؟

فوجىء “الكسائي” بالسؤال، ولكنه أجاب متداركاً:
ـ إن الجواب على هذا السؤال لديكم يا سيدي الوزير، وليس لدينا. نحن نناقش قضايا الرفع والنصب والجر في النحو واللغة، أمّا الرفع والخفض والنصب في المسائل الأخرى، فهذا من شؤونكم. وإذا كان هناك عقارب وزنابير من أنواع أخرى، فعليكم أنتم أن تحسبوا حسابها، وأن تكون عيونكم مفتوحة، وقلوبكم يقظة، وأذهانكم متوقدة، وأن لا تمضوا وقتكم في الخلافات والصراعات الصغيرة. فالعقارب الآتية من الخارج أخطر من عقارب الداخل، وأشد لسعاً..

قاطعه “جعفر” ضاحكاً وقال:
ـ ” كنت أظن عقارب الخارج أشد لسعة من عقارب الداخل، فإذا هي هي. وإذا شئت فإذا هي إياها”.

تدخل سيبويه في الحديث وقال:
ـ سيدي الوزير، إن عقارب الخارج لا تستطيع اللسع والأذى إذا لم تجد تمهيداً من عقارب الداخل.. وحينما يكون الداخل متماسكاً متفاهماً، فلا العقارب الزاحفة، ولا العقارب الطائرة، ولا العقارب السابحة في البحر تستطيع أن تلسع من في الداخل.
إن الماء يا سيدي الوزير لا يدخل السفينة إلا إذا أهمل أهلها وقادتها صيانتها، فتكثر فيها الثقوب ويتسلل إليها الماء فتغرق شيئاً فشيئاً.
* * *

انفضّ مجلس “يحيى البرمكي” وابنه “جعفر”.. ومضت الأيام فإذا العقارب والزنابير تفعل فعلها.. وإذا قلب “الرشيد” يتغير على وزيره المفضل.. وإذا البرامكة يُنكبون في بغداد، وتلسعهم العقارب والزنابير، ولا يفيدهم الرفع والنصب والجر.. وتدور بهم دورة الحياة فيخرجون منها.
* * *

يتساءل “الأنباريّ” بعد عرض هذه الحكاية الطريفة:
ـ هل توقّف لسع العقارب والزنابير؟ وهل توقفت الفتن؟ وليت الأنباري عاش طويلاً، ليرى كيف دخلت عقارب “هولاكو” وزنابير “تيمورلنك” والعقارب الحديدية وزنابير الفضاء الحديثة.

ونتساءل مع “الأنباري”:
(كنت أظن عقارب هولاكو أشد لسعة مما سيأتي بعدها، فإذا هي هي، أو إذا هي إياها).

ويضحك الأنباري من خلف العصور قائلاً:
ـ كلا إن عقاربكم الحديثة أشد لسعةً من كل ما سبق من عقارب وزنابير. وقاكم الله. وألهمكم حسن الفهم لتحصنوا جدرانكم فلا تتسلل منها عقارب أجنبية.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design