يا زعماء وملوك وسلاطين العالم، إلى أينَ تقودون الأوطان؟! تساؤلات مفتوحة لزعماء هذا الزَّمان وكلّ الأزمة!

جورنال الحرية

كتب صبري يوسف من السويد

لستُ راضياً على أغلب سياسات زعماء وملوك وسلاطين هذا العالم، وإن كانت نسبة عدم الرّضى تتفاوت من دولةٍ إلى وأخرى، ولكن بشكل عام تفتقرُ أغلب سياسات العالم إلى المزيد من نشر ثقافة السَّلام والوئام في بلادها وفي بلاد العالم، لأنَّ ما أراه متفشِّياً على السَّاحة الدَّوليّة، ليس على ما يرام، لأنَّ تقدُّمَ هذا الزّمان في أغلب بلاد العالم، يسير انزلاقاً نحوَ أسفل السَّافلين، خاصّة في البلاد الّتي تتلظّى فيها نيران الحروب والصِّراعات القوميّة والاثنيّة والمذهبيّة والطّائفيّة والدِّينيّة والاقتصاديّة، فيدخل الحابل بالنّابل بشكلٍ مرعب ومرير للغاية، ويصبح الإنسان كأنّه كتلة صمّاء لا قيمة له، ويتمُّ قتل الإنسان في هكذا أوطان كأنّه كتلة زائدة في الحياة، ولا بدَّ من قتله ورميه بعيداً في جحورِ الأرض، وفي هذا السِّياق وردّاً على ما آلت إليه الأمور في بعضِ بلدان العالم، أودُّ التَّأكيد على أنَّ الإنسان كإنسان أهم من كل أوطان العالم، وأهم من كلِّ قوميات العالم، وأهم من التِّيارات السِّياسيّة والمذاهب والطَّوائف بكل تسمياتها، وأهم من الأديان عندما تقودُ الأديان عبر برامجها إلى القتل، فما فائدة أي وطن في الدُّنيا عندما يقودُ مواطنيه إلى صراعات وحروب على أيِّ صعيد كان ولأيِّ سبب كان؟ لأنّي أرى أنَّ إدارة ورئاسة أيّة دولة في العالم، يجب أن تكون قائمة على الحفاظ على مواطنيها وخيراتها وسعادة شعبها، وليست قائمة على قتل مواطنيها وزجِّهم في صراعات وحروب وويلات لها أوَّل وليس لها آخر، تنتهي آثار ونتائج هذه الحروب والصِّراعات على جمجمةِ المواطن إلى أن يتضوَّر جوعاً، وهناكَ مَن لا يجد طعاماً حتّى ولو بحث عنه في براميل النّفايات، هل من المعقول أن نرى في القرن الحادي والعشرين، أنّ هناك من ليس لديه كسرة خبز يأكلها؟! هل نحن في العصر الحجري أم في بداية القرن الحادي والعشرين،؟ عصر التّنكولوجيا والتَّواصل الكوني بكبسة زر، ومع هذا لا نستطيع أن نعالج أبسط مشاكل البشر، علماً أنّ اقتصاد وخيرات الكون يكفي للبشريّة وضعف البشريّة، لو تمَّ توزيعه بشكل عادل، فلماذا كل هذا الإنحدار الكوني في قيادة الكون، نحو منزلقات الجحيم؟! أرى أنَّ كل الخلافات السّياسيّة والمذهبيّة والطَّائفيّة والقوميّة خلافات عقيمة، ويمكن معالجتها من خلال تقبَّل بعضنا بعضاً، ومن خلال إعطاء كل مواطن حقّه في الدَّولة الّتي فيها! .. أرى أنَّه من الضروري والبديهي أن يكونَ للمواطن حق ويجبُ أن يأخذ حقّه عبر منطق العدالة والحرِّيّة والدِّيمقراطيّة من دون أي قيد أو شرط، ويجب أن يكون لدى كل دول العالم قوانين ودساتير تصون حقوق كل مواطنيها ولا يجوز بأي حال من الأحوال سن أي قانون أو دستور، لا يحقِّق متطلّبات وطموحات جميع مواطني الدَّولة الّتي تسنُّ قوانينها ودستورها، ولهذا أقول إنَّ الخلافات الَّتي تنشب في أيّة دولة أو قارة أو دين أو مذهب أو طائفة أو سياسة، يجب معالجتها بالحوار والعقل والحكمة والسّلم، وبالاحتكام إلى قوانين ومنظمات دوليّة، تكفل تأمين حقوق الإنسان في كل دول العالم، وليس بالقتل والحرب والإقصاء وإلغاء الآخر، وأريد التَّوقّف عند نقطة أساسيّة تتمحور حول موضوع الدّولة كدولة، حيث أرى أن مفهوم الدَّولة تقريباً انتهى، وبحسب تصوُّري ستنتهي الدّول أو على الأقل حدود الدُّول بعد فترة قريبة أو بعيدة. أجل، ستختفي الحدود بين الدُّول رويداً رويداً، وتختفي الكثير من المقاييس الَّتي نقيسها، وستختفي العملة والكتب الورقيّة والمعاملات الورقيّة، وستختفي المسافات وقد تقلَّصَ وتوارى الكثير ممّا أشرتُ إليه، وسيبقى الإنسان محتاراً بهذه الاختفاءات إلى درجة أنّ الإنسان نفسه مهدَّد بالاختفاء، لأنَّ هذه الاختفاءات تجعل علاقات البشر علاقات آليّة، ميكانيكيّة، انترنيتيّة، وكأنّه غير موجود ككيان، لهذا تتوارى يوماً بعدَ يومٍ العلاقات الودّيّة والوئاميّة الوداديّة الحميميّة بين الأصدقاء والمحبِّين والعائلات والإخوة والأخوات والجيران والمجتمع والبشر كبشر، لأنَّ التَّركيز يتمُّ على الاقتصاد ويتمُّ إهمال الجانب الأخلاقي والقيمي والمعياري بين البشر، ولا أظن أن يكون الاقتصاد لوحده قادراً على قيادة إنسانيّة الإنسان أو تحقيق إنسانيّة الإنسان، لهذا نحن أحوج ما نكون إلى تعميق ونشر ثقافة السَّلام والوئام بين البشر، ونشر ثقافة الحب والفرح والهناء والسّعادة، وإعداد برامج عن كيفية اسعاد البشر والبشريّة وانقاذها من هول المعارك والحروب والصّراعات بمختلف أنواعها، وبرأيي أنَّ كل الحروب الّتي تمّت عبر التّاريخ البشري هي حروب غير أخلاقية ومن دون أيّة جدوى، وحده السَّلام له جدواه ونتائجه الإيجابيّة، ويجب على كل مفكَّري ومبدعي وسياسيي الكون أن يركّزوا عبر توجّهاتهم ورؤاهم وتطلُّعاتهم على كل ما يسعد البشر وليس ما يحطّم البشر. لا أفهم نهائيَّاً لماذا ما يزال الكثير من الدُّول العظمى تفكّر في سباق التَّسلّح وترصد مليارات الدُّولارات في السِّلاح الذّرِّي والسِّلاح الفتّاك عابر القارات وسلاح يؤدّي إلى إفناء البشر والبشريّة والكرة الأرضيّة، لماذا لا يسخّرون كل هذه الإمكانيات لسعادة البشر وليس لتحطيم وقتل البشر؟! كلّما أنظر نظرة فاحصة في حال الكرة الأرضية، أشعر بالشّفقة على واقع الحال الذي وصلت إليه، تبدو وكأنّها أبتلت بتغلغل وتعشُّش تفكير خنفشاري دموي جنوني في الكثير من البشر، وابتلي البشر الأبرياء في الحروب التي تشنُّها الدول، وابتُلي الكون بكلِّ هذه الأسلحة الفتّاكة الّتي يصنعها البشر، أفكار مسمومة تتفشّى في العالم، أليس مجردّ أن تصنع دولة ما سلاحاً فتّاكاً وأي نوع من أنواع السلاح، أليس هذا السلاح مصنوع لقتل بشر ما في مكان ما؟! إنَّ مجرَّد صناعة السِّلاح بكلِّ أنواعه جريمة الجرائم، وأطالب كما قلت مراراً إغلاق معامل السِّلاح في كل أنحاء العالم، ولا داعي أن يصنع الإنسان سلاحاً يقتل أخيه الإنسيان، لهذا يجب أن نسخِّر فكرنا بالحفاظ على البيئة والحفاظ على الإنسان وقيم الإنسان ونعيش بشكل إنساني، بعيداً كل البعد عن الحروب وويلاتها، وبعيداً عن لغة العنف الَّذي يولِّد كما قلت العنف المضاد وإلى ما لا نهاية من الأعناف المضادة! ولهذا لا بدَّ من التَّفكير جدّيَّاً وبكلِّ حكمة وتعقُّل لبناء إنسان مسالم وعادل وديمقراطي وأخلاقي ويعطي لكلِّ إنسان حقّه في كل بلاد العالم، وإلَّا سيسير الكون إلى هاويات الجحيم، والسَّبب كلّ السّبب يقع على الكثير من السياسات الخرقاء في هذا الزّمان!
ويراودني مراراً، هذا التَّساؤل: ماذا استفادت البشريّة من سياسات الدُّول العظمى والصُّغرى والدّول النَّامية والنَّائمة والَّتي في طريقها إلى النَّوم العميق، ماذا استفادت من نتائج ممارسات رؤساء دول العالم في قيادة بلدانهم، غير السِّياسات الممجوجة لأنَّ أغلبها كانت سياسات مرتكزة على تغذية الصِّراعات والعنف وتفريخ حروب مميتة في الكثير من بلدان العالم، وتوجّهات السِّياسات كانت شبه عقيمة ومنها في طريقها إلى العقم الخالص! وكانت وما تزال أغلبها قائمة على مبادئ تصبُّ في دمار الإنسان والحجر والحشر! لم تترك سياسات هذا العالم أيّة رغبة لدى إنسان هذا الزَّمان من سعادة، وهناء وعيش كريم، حتّى التَّقدّم التّكنولوجي المدهش، الَّذي اخترعته وقدّمته الدُّول العظمى والخارقة في تكنولوجياتها، لم تقدّم سوى خلق شرخ هائل في المجتمع والعائلات والأُسر، فأصبح لكل إنسان عالمه الخاص، وانسلخ عن المجتمع والأسرة والحياة العمليّة الميدانيّة، نراه يعيش في عالم افتراضي وكأنّه العالم البديل عن عالمه الواقعي الحقيقي، ولكنّه عالم انغلاقي بعيد كل البعد عن الحميمية والأسرة والصّداقة الودودة مثل أيام زمان! ولديه خصوصيّته منذ أن يفقص من البيضة حتى عودته إلى المساحة المخصّصة له ما بين متر إلى مترين وقليلاً من القماش والخشب! وأرى هناك تخطيط لسحق الأسرة والعائلة والمجتمع وتحويل المواطن – الإنسان في كل بقاع الدنيا إلى مجرّد مستهلك، حتى هو نفسه يتحوَّل إلى سلعة استهلاكية، فيصبح عبداً لهذه التقنيات وهناك آلاف البرامج لطفل من عمر أيام وشهور وسنين إلى آخر لحظة في حياته، فمتى سيعيش المرء مع أبويه وأسرته وأصدقائه ومجتمعه، إذا كانت تقنيات هذا الزّمان تغمره منذ أن يفتح عينيه على وجه الدنيا حتى مماته، مع أنّني أحترم جدّاً تقنيات وتطورات ما حصل من فتوحات في التّواصل الكوني، لكن أغلبها يتم استغلاله من قبل الحيتان الكبار إلى تسليع الإنسان وتحويله إلى عبد لهذه التقنيات، رغم كل ما تقدمه التقنيات والمعلوماتية من خدمات جليلة ورائدة وراقية للإنسان بنفس الوقت، ولكن في المقابل هناك الكثير من المخطّطات لتحويل الإنسان إلى سلعة مستهلكة للذين يخطِّطون قولبته في هذا السِّياق أو ذاك، وما فيروس كورونا، وتبعاته إلّا إحدى أخطر تحوُّلات الحيتان الكبار إلى ديناصورات يحصدون حياة البشر وكأن حياة وموت البشر ما هي إلّا مشاريع اقتصاديّة في برامجهم، وهذا قمة الانحطاط الأخلاقي وقمّة الانحدار البشري عندما ينظر الإنسان إلى الإنسان كسلعة كاقتصاد كتجارة، أين هي إنسانيّة هذا الإنسان وأين هو الضَّمير، وآلاف الأسئلة تبقى معشَّشة في الذهن ولا جواب شافٍ لما نحن عليه، إلّا المزيد من الانحدار في قيعان الجحيم!
يشتغل زعماء وسلاطين وملوك وأباطرة هذا الزَّمان في قيادة دولهم ليل نهار، ويهدرون ملايين بل مليارات الدُّولارات في سياساتهم وفي الحروب والصِّراعات الَّتي تنشب بين البشر من خلالهم وعبرهم وعن طريقهم وبقرارات الكثير منهم، ونسوا كل هؤلاء أنَّ عمر الإنسان القصير لا يتحمَّل كل هذه السَّخافات الّتي يخطِّطون لها ويقحمون أنفسهم فيها، ونسوا أيضاً مواطنيهم البؤساء والَّذين هم بأمس الحاجة للراحة والنّوم العميق وبحاجة ماسّة للسلام والهناء والوئام بين البشر، وليس الغوص في صراعاتٍ مميتة ومدمّرة لكلِّ الأطراف المتصارعة! لهذا أقول بكلِّ ثقة وبكلِّ “غرور إيجابي” ناجم عن ثقة مطلقة بالنَّفس، أنّ عملي البسيط الَّذي أقوم به منذ ثماني سنوات على التوالي، على نشر ثقافة السَّلام والوئام بين البشر عبر مجلَّة السَّلام الدّوليّة، أفضل من أعمال أغلب زعماء وملوك وسلاطين هذا العالم، خاصّة في البلاد التي تفرّخ فيها الحروب ليل نهار، فأين هي السَّعادة الّتي قدَّموها ويقدِّمونها لبلادهم؟ وأين هو الاستقرار وأين هي الرّفاهيّة الّتي يقدِّمونها لمواطنيهم؟ هل هناك دولة ما في العالم، ومواطنوها سعداء وفي رفاهيّة، ومرتاحين ومطمئنّين من سياسات بلادهم على الوجه الأكمل والأرحب والأسعد؟! وإن كانت المسألة تتفاوت من دولة إلى أخرى؟ أين هي مخطَّطات الدُّول الكبرى الّتي تسعى إلى تحقيق سعادة البشر والبشريّة؟ وفي هذا السِّياق أودُّ الوقوف عند مقولة الفيلسوف “كانط”، عندما قال: ( لو كانت سعادة البشريّة متوقّفة على قتل طفل بريء لكان قتله سلوكاً لا أخلاقيّاً، .. )، وأنا أضيف مؤكِّداً بأن قتل ذلك الطّفل البريء جريمة لا تغتفر، حتّى وإن كانت سعادة البشرية كلها متوقّفة على قتله، لأنّ القضية هي قضيّة حق، وأخلاق وقيم وليست قائمة القضية على مصلحة فلان على حساب فلان، لهذا أؤمن بأنَّ كل سياسات العالم يجب أن تصبُّ في سعادة البشر كل البشر، لا أن تقوم سعادة هذه الدَّولة أو تلك على حساب خلخلة جماجم آخرين، وإنَّ خلافات الكون والبشر مع بعضهم بعضاً تدلُّ دلالة قاطعة على فشل سياسات هذا الزَّمان والأزمنة السَّابقة أيضاً، وعلى الإنسان أن يفهم أنّه لا يفهم شيئاً إن استمرَّ على هذه الشَّاكلة العقيمة في قيادة الأوطان، لأنّ قيادة أي وطن على حساب أوطان أخرى وبشر آخرين، قيادة حمقاء وتتطلَّب الكثير من إعادة النَّظر في كيفية قيادة الذَّات والتَّفاعل مع الآخر والتَّعاون مع جميع دول العالم، لقيادة البشريّة إلى مرافئ الأمان والسّلام الكوني في جميع أصقاعِ الدُّنيا!

ذلك هو السُّؤال، وهذا ما يجب أن نشتغل عليه ليل نهار، فهل وصل المرسال؟!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design