مع الفنان العالمي “فاتح المدرّس”

جورنال الحرية

كتب الباحث محمد قجة من سورية

تعود علاقتي مع الفنان العالمي “فاتح المدرّس” إلى عام 1968، حينما قررنا في (ثانوية المأمون) إصدار كتابٍ وثائقيّ عن الذكرى الماسية لثانوية المأمون بمناسبة مرور 75 عاماً على افتتاحها.

وقد فتّشتُ في السجلاّت القديمة عن الطلبة البارزين الذين درسوا في الثانوية، وعثرت على اسم “فاتح المدرّس”، وراسلته لكي يحدّثنا عن ذكرياته في المدرسة وبداياته الفنية مع أساتذته في الفنون: “وهبي الحريري”، و”غالب سالم”، و”منيب النقشبندي”.
وقد أرسل إلي “فاتح المدرّس” رسالةً من باريس، أرفقها بقصّته المشهورة (عود النعنع) واقترح نشرها في الكتاب، وهي عنوان لمجموعةٍ قصصية أصدرها “فاتح المدرّس” عام 1981.
***

كنا نتابع باستمرار المعارض الفنية الكثيرة والكبيرة لهذا الفنان الكبير، الذي استكمل دراسته الفنية في روما وتخرج عام 1960، ثم تابع في باريس وحصل على الدكتوراه في الفن عام 1972.
وكان حريصاً على مواكبة نشاطه الأدبي، إلى جانب نشاطه الفنّي السوريالي الكثيف.
ومن إصداراته: ديوانٌ شعريّ بعنوان (القمر الشرقي على شاطئ الغرب) عام 1962، وديوان آخر بعنوان (الزمن السيء) عام 1985.
***

في عام 1996، قبل وفاته بثلاثة أعوام، دعوتُه لأمسيةٍ ثقافية فنّية أقمناها في ندوة الشهباء في حلب -التي كان يديرها الصديق الراحل الدكتور “عبد الرحمن الكواكبي”-رحمه الله، وكنا نقيم هذه الأنشطة بالتعاون بين جمعية العاديات وندوة الشهباء، واتفقنا أن تكون الأمسية مشتركة بيني وبينه، يتحدّث هو عن تجربته الفنية الراسخة الواسعة، وتجربته الأدبية شعراً وقصة، وأنا أتحدث عن: رحلة الموشّح من الأندلس إلى حلب.

وقد عرض في الأمسية مسيرته منذ حداثته وصباه وشبابه، ومراحل دراسته في حلب وبيروت وروما وباريس، وعمله في سورية مدرّساً للفن وللغة الإنجليزية، ثم أستاذاً في كلية الفنون الجميلة، ونقيباً لنقابة الفنون الجميلة لمدة أحد عشر عاماً.

وتحدث عن معارضه المحلية والعربية والعالمية، سواء أكانت مفردةً له، أو مشتركةً مع غيره من الفنانين، كما أوضح وجهة نظره الفنية ورؤيته السوريالية في إنتاجه الفني الواسع والغزير. وأشار إلى صداقاته مع بعض المثقفين والفنانين، ومن أبرزهم الشاعر العملاق “عمر أبو ريشة”، وإعجابه بصديقه الآخر “أدونيس”، وبالمخرج المسرحي “سليم قطاية”. واختتم حديثه بقراءته قصته المشهورة (عود النعنع).
***

وبدوري تحدثت عن نشأة الموشّح في الأندلس بمؤثرات من تجربة “زرياب” الأدبية والفنية، ابتداءً من “مقدم بن معافر القبري” و”الأعمى التطيلي”، مروراً بـ “ابن زهر” والشيخ “محيي الدين” وصولاً إلى “لسان الدين بن الخطيب”.

وحينما بدأ الأندلس بالتساقط، رحل الكثيرون إلى المغرب والمشرق، واستقرّ بعضهم في حلب بسبب دورها الاقتصادي الكبير في المشرق، ومن أبرزهم الشاعران: “ابن جابر الأندلسي” وصديقه “أبو جعفر”.

ثم تطور الموشّح في حلب بقوالبه ومؤلفيه وألحانه بحيث غدا له لونه المتميز وأعلامه على مدى خمسة قرون وصولاً إلى عصرنا، وانبثقت عنه القدود الحلبية ورقصة السماح، ونشطت الزوايا الصوفية في تطوير ذلك، وبخاصة الزاوية الهلالية في (حيّ الجلّوم) في حلب.
***

وقد حضر تلك الأمسية نخبةٌ من المثقفين والمهتمين في مدينة حلب، الذين سرّهم أن يستمعوا للفنان الكبير “فاتح المدرّس” وتجربته الفنية والأدبية.
ومن المعلوم أن لوحات الفنان الراحل تُباع اليوم بأسعار فلكيّة في المزادات الفنية في أوروبا، وبخاصة في صالة (كريستي)، ووصل ثمن بعض اللوحات إلى أربعمائة ألف دولار.
ومن المعلوم كذلك أن الفنان “فاتح المدرّس” كان يتقن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية إلى جانب العربية لغته الأم.
………….
الصورة المرفقة في ندوة الشهباء في حلب خلال الأمسية المشتركة عام ١٩٩٦
من اليمين : محمد قجة . فاتح المدرس

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design