( المتنبي… وظاهرة الحسد )

جورنال الحرية

كتب الباحث محمد قجة من سورية

1 – كلمة ” الحسد ” في المعجم تعني ان يتمنى الحاسد زوال النعمة عن المحسود وانتقالها الى الحاسد .
بينما كلمة “الغبط ” تعني ان يتمنى الغابط مثيل النعمة التي عند المغبوط من غير ان تزول عنه .
وبالتالي فإن الحسد ظاهرة سيئة سلبية . بينما الغبط ظاهرة مقبولة .
وفي القرآن الكريم ” ومن شر حاسد إذا حسد ”
وقديما قيل : ( الذين لا يعملون يؤذي نفوسَهم ان يعمل الآخرون )
2 – ولعل المتنبي كان اكثر الشعراء شكوى من الحسد الذي يتتبعه في مسار حياته ، وتفسير ذلك ان المتنبي كان باهر النجاح والتألق في ميدان الشعر ، مما جعل الحساد يكثرون حوله . وقد ورد ذكر الحسد في خمس وعشرين قصيدة من ديوانه . وهو يقول في شبابه المبكر :

انا تِربُ الندى وربُّ القوافي
وسِمامُ العدى وغيظُ الحسودِ
وهو يعجب من هول مشاعر الحسد التي تحيط به فيقول :

ولكني حُسدتُ على حياتي
وما خيرُ الحياةِ بلا سرورِ

وفي المعنى نفسه يخاطب سيف الدولة في قصيدته المشهورة :

إن كان سرَّكُمُ ما قال حاسدُنا
فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

وهو يشير إلى كثرة الحاسدين حوله بسبب نجاحه ، وعدم اكتراثه بهم :

وما كمدُ الحسادِ شيئاً قصدتُه
ولكنه مَن يزحمِ البحرَ يغرقِ

وهو يوضح ان الحسد داء يصيب صاحبه ولا يمكنه الشفاء منه :

سوى وجعِ الحسادِ داوِ ، فإنه
إذا حلَّ في قلبٍ فليس يحولُ
ولا تطمعنْ من حاسدٍ في مودةٍ
وإن كنتَ تبديها له وتُنيلُ

والمتنبي يفاخر بنجاحه المدوي الذي جعل حساده يكثرون :

ولكني وصلتُ إلى مكانٍ
عليه تحسدُ الحدَقَ القلوبُ

ويبلغ حديثه عن تلك الظاهرة ذروته حينما يذكر كلمة الحسد ثلاث مرات في بيت واحد ، وهو يخاطب سيف الدولة:

أزِلْ حسدَ الحسادِ عني بكبتهم
فأنت الذي صيّرتَهم ليَ حُسّدا

وحينما غادر مصر هاربا من كافور الى الكوفة أطلق قصيدته الشهيرة ، وفيها قوله :

ماذا لقيتُ من الدنيا ، وأعجبُهُ
أني بما أنا شاكٍ منه محسودُ

ويلخص مفهوم الحسد في قوله :

وأظلمُ أهلِ الظلمِ من بات حاسداً
لمن بات في نعمائه يتقلّبُ

3 – وبعيدا عن المتنبي نجد القول البليغ للشاعر ابي تمام :

وإذا أراد اللهُ نشرَ فضيلةٍ
طُويتْ ، اتاح لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ
ما كان يُعرَفُ طيبُ عُرفِ العودِ

وقد أخذ الشاعر ابن المعتز هذا المعنى فطوره ولخصه بقوله :

اصبر على حسدِ الحسودِ فإن صبرَكَ قاتلُهْ
فالنارُ تأكلُ بعضَها إن لم تجدْ ما تأكلُهْ

ومثال ذلك في الشعر العربي كثير جدا .
4 – وفي الذاكرة الشعبية اقوال عديدة تلامس هذا الموضوع :
– الحسود لايسود
– عين الحاسد تبلى بالعمى
– يا ناظري نظرة حسد ، شكيتك لواحد احد
– عين الحسود فيها عود
– فلان يحسد الميت على كفنه
– فلان يحسد الأعمى على كبر عيونه
– الخرزة الزرقاء لطرد عيون الحاسدين
– يده على الخشب
5 – ومن اجمل ما ورد في هذا المجال قول مولانا جلال الدين الرومي:
( الحب والحسد لا يمكن ان يجتمعا في النفس البشرية السوية )

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design