بوابة سيبيريا

جورنال الحرية

كتب الباحث محمد قجة من سورية

استغرقت الرحلة بالقطار ثلاثين ساعة, من مدينة موسكو إلى مدينة ” أوفا ” .
كان القطار يمضي باتجاه الجنوب الشرقي نحو جبال الأورال, حيث بوابة سيبيريا, ونقطة الانعطاف بين قارتي أوربا وآسيا .
وكعادة رحلات القطارات .. كانت المحطات في الطريق كثيرة, ولكن أكثرها للوقوف دقائق معدودة .
خلال هذه المسافات الشاسعة كانت الطبيعة تتناوب بين السهول الخضراء, والتلال المتناثرة, والأنهار المتابينة حجماً وغزارة .
وعند مدينة ” سمارة ” توقف القطار لمدة نصف ساعة . ونزلنا إلى الأرصفة الواسعة, حيث انتشرت بائعات من شتى الأعمار يحملن المأكولات الخفيفة والشوكولا, وقيل لنا أن مدينة سمارة مشهورة بأنواع ممتازة من الشوكولا, وهي رخيصة جداً ومتنوعة.
تقع مدينة سمارة على نهر ” الفولغا ” أحد أكبر الأنهار في روسيا. وفيها مصنع سيارات ” لادا ” . وقيل لنا أنها مسقط رأس ” لينين ” زعيم الثورة البلشفية.
* * *
في محطة القطار في مدينة ” أوفا ” كان ينتظرنا مجموعة من الأدباء. كنا ثلاثة ومعنا مترجم روسي يجيد العربية . في الطريق إلى الفندق القديم, بدت المدينة مختلفة عن طراز المدن الروسية الأوربية, مع وجود سمات معمارية مشتركة مثل دار الأوبرا والميادين العامة .
في الفندق القديم في مركز المدينة, كانت موظفة الاستقبال تضع بطاقة على صدرها تحمل اسمها,
” علية ” .
نحن إذاً في مدينة متنوعة الأعراق والأديان ” علية ” موظفة الفندق بملامحها التتارية وعينيها الصغيرتين ووجهها الشديد الاستدارة, كانت ” علية ” تتحدث اللغة الروسية, ولغتها المحلية التي هي فصيل من اللغة التركية .
مدينة ” أوفا ” عاصمة جمهورية ” بشكيريا ” أو بشكيرستان وهي إحدى جمهوريات الاتحاد الروسي, وهي من بقايا وجود الممالك الإسلامية في حوض الفولغا منذ القرن الرابع عشر, ومعها جمهوريات القوقاز مثل داغستان والشيشان واوسيتيا, وجمهورية تتارستان وعاصمتها مدينة قازان الشهيرة على الفولفا .
لم يطل بنا الوقت لكي نعلم أن في مدينة ” اوفا ” اتحادين للكتاب, أحدهما للروس, والآخر لأبناء البلاد ” البشكير ” والتنافس واضح رغم أنه غير معلن بين الاتحادين .
في مدينة ” أوفا ” يقيم المفتى الأكبر لمسلمي روسيا الاتحادية, وقبل ذلك لمسلمي الاتحاد السوفياتي سابقاً .
في المساء كنا على موعد مع حفل موسيقي كلاسيكي في دار الآوبرا, وكان أمراً أكثر من رائع من حيث التنظيم والأداء الفني والمستوى الحضاري للجمهور الذي يستمع .
وعلى مائدة العشاء . كانت الأحاديث طويلة ومتشعبة في السياسة والفكر والأدب والفن .
ألقى رئيس البلدية كلمة ترحيب, وهو رجل بشكيري اسمه ” ريف قلم الدينوف ” ذو ملامح عسكرية قاسية ونظرات مقطبة, ولكنه في اليوم الثاني وفي احتفال غرس الأشجار رفع يديه لقراءة الفاتحة وقال لمن حوله : اتجهوا نحو القبلة وأنتم تغرسون الأشجار .
* * *
في اليوم الثاني من زيارتنا لمدينة ” أوفا ” قمنا بجولة عامة لمعالم المدينة, وكان ختامها زيارة متحف
” أكساكوف ” الأديب الروسي الذي عاش في القرن التاسع عشر . وفي متحفه الذي كان بيته, تم الإحتفاظ بأشيائه الخاصة وأوراقه وملابسه والطريف أن أدباء ” أوفا ” من البشكير قالوا لنا يجب أن نبحث عن أديب بشكيري نقيم له متحفاً, انه الصراع غير المعلن بين لونين من الحضارات رغم العيش المشترك القديم .
مساء اليوم الثاني كانت مائدة العشاء أكبر, وفي أحد أندية المدينة . وكان هناك من يتكلم غير اللغة الروسية .
تقدمت منا سيدتان تجاوز عمرهما الثلاثين بقليل, وقالتا إنهما تتكلمان الإنكليزية وعرفتانا باسميهما .
الأولى تدعى ” فريدة نور الدينوفا ” نسبة إلى والدها نور الدين الذي كان أحد قضاة المدينة, وكان يقرأ ويكتب بالعربية . وتعمل فريدة مدرسة للغة الإنكليزية في المدارس الثانوية في مدينة ” أوفا ” ولديها ولدان في المرحلة الإبتدائية .
والثانية تدعى ” سعاد كريموفا ” نسبة إلى والدها ” كريم ” وهي صحفية وأديبة وتحمل شهادة الآداب باللغة الإنكليزية, ولكنها انصرفت إلى العمل الإعلامي بدلاً من التدريس, ولاتزال عازبة رغم ملامحها الجميلة وخفة ظلها .
وقف أحد الشعراء الروس وألقى قصيدة لم نفهم من لغتها شيئاً, ولكن إلقاءه للنص كان دليلاً على أنه شاعر . وبالمقابل, وقف صديقي الشاعر, وألقى قصيدة بالعربية, لم يفهم منها الحاضرون شيئاً . ولكن براعة القائه شدت إليه الأنظار, وبخاصة أنظار النساء في ذلك المجلس .
قالت لنا “فريدة” ان في بيتهم كثيراً من الكتب العربية, وكثيرا من الكتب بلغتهم المحلية مكتوبة بالحرف العربي, وقد بقيت لغة بشكيريا تستعمل الحرف العربي حتى أواسط القرن العشرين, حينما تغلب الحرف السلافى واللغة الروسية, وهناك الآن دعوات لاستخدام الحرف اللاتيني أسوة باللغة التركية .
كانت كل من فريدة وسعاد تتلهفان لأى حديث عن الثقافة العربية, وقد قلت لفريدة ان اسمها العربي نادر الوجود في التراث الشعري العربي,بينما يحفل هذا التراث باسم زميلتها ” سعاد “, وقد ارتبط هذا الاسم بكثير من الشعراء كالمرقش وكعب بن زهير ومطيع بن اياس .
ولم تكن سعاد كريموفا تدرى شيئاً عن هذه الأسماء للشعراء العرب, وأوضحت أنها بعيدة كل البعد عن هذا المجال فقلت لها ممازحاً : أن من الطبيعي أن تكون بعيدة عن ذلك المقام, فلقد ارتبط اسم سعاد بالبعد والبين في الشعر العربي, من خلال قصيدة كعب : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول .
أوقصائد أخرى تحمل المعنى نفسه مثل : بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا.
* * *
حينما عدنا من ” أوفا ” إلى موسكو كان في القطار شاب يستمع من مسجلته الصغيرة إلى شريط بصوت صباح فخري . ولما أبديت دهشتي من ذلك, قال أن والده أحضر هذا الشريط خلال أحد أسفاره إلى مدينة ” دبي ” ولكن الدهشة الأشد كانت في عربة المطعم في القطار حينما سمع أحد الجالسين إلى مائدة مجاورة لنا حديثنا باللغة العربية, وكان قد ثمل من كثرة الفودكا فاتجه إلينا والكأس في يده وصاح بأعلى صوته وبلغة عربية متعثرة : ” يا ظالمني ” وسحب مقعداً وجلس إلى جانبنا …
كان هذا الرجل الذي تجاوز الستين يعمل مهندساً في بناء السد العالي على نهر النيل, وقد قضى في مصر عدة سنوات يذكرها بدفء كبير وذكريات شتى .
قال لنا أنه يتلذذ بسماع ” أم كلثوم ” وقد بدأ يفهم بعض عبارات أغانيها بعد إقامته في مصر .
وحينما وصل بأحاديثه إلى موضوعات سياسية تتصل بانهيار الاتحاد السوفيتي, تدخل المترجم المرافق لنا وحاول إيقافه وزجره, وإن كنا لم نفهم ماذا قال له, ولكن الرجل استمر في طرفه وهو يترنح من فرط السكر, ويستعيد ذكريات قديمة في القاهرة وأسوان ويتذكر حوادث وأشخاصاً وطرائف . ثم يتوقف ليعود إلى أغنيته الأثيرة ” يا ظالمني “, ويطلق عبارات بالروسية يبدو أنها كانت شتائم . وتحرك شخصان في عربة المطعم, وطلباً من المترجم أن يتدخل لإنهاء الحوار .
لم نتمكن من التعرف إلى اسم الرجل .. فلقد عدنا إلى عربة النوم في القطار, واستمر هو في صراخه وذكرياته عن أغنيات أم كلثوم .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design