في أوبرا فيينا

جورنال الحرية _ سوريا

كتب الباحث/ محمد قجة


يشدك البناء بفنه المعماري الباذخ، وعظمته التي تدل على عظمة الذين خططوا له والذين بنوه والذين شغلوه. يتربع وسط مدينة “فيينا” بين مئات القصور والمتاحف والأبنية الشامخة الساحرة الجمال.. إنها فيينا المتحف الكبير بكل ما فيها.

تقودك إلى ذلك البناء كل الطرقات، وكل وسائل المواصلات.. تصعد إليه من محطة “المترو” تحت الأرض. وتوصلك نحوه السيارات الصغيرة والكبيرة والعربات الكهربائية.. فهو الملتقى الكبير وسط العاصمة النمساوية العريقة. وإذا أردت الوصول إليه ماشياً، فإن شوارع المشاة التي يسمونها “مدينة المشتريات” تقودك إليه هي الأخرى.

لا بد لك أن تقف أمام العظمة الباهرة للمبنى.. ولا بد لك أن تبحث عن اتجاه السهم الذي يأخذ بيدك إلى المدخل الرئيسي بين مداخل متعددة. وأمام المدخل الرئيسي تصطف مع الرتل المتطاول.. لن تعبأ بمطر ولا بشمس محرقة.. ستنتظر حتى يأتي دورك وتحجز بطاقتك لدخول المبنى.
تدلف إلى الداخل فترى الحشد البشري يتوزع إلى مجموعات.. وتقترب لترى سرّ هذا التوزع فترى أمام كل مجموعة دليلاً أو دليلة لإرشاد الزوار داخل المبنى وشرح معالمه وتاريخه.

تجاوزنا الدليلة الأولى، فقد كانت ترفع لافتة كتب عليها عبارة “الألمانية” وتجمع أمامها أبناء البلد أو الزوار الألمان. وانتقلنا إلى الثانية فإذا بها تتحدث الانجليزية وأمامها جمهور واسع متفاوت الأشكال والملامح والجنسيات. وكانت الثالثة تنادي بالفرنسية وأمامها جمع من الناس أقل من زميلتيها الأوليين. ويغدو العدد أقل لدى الرابعة وهي تتحدث الأسبانية وأمامها مجموعة من الأسبان أو من أبناء أمريكا اللاتينية بهيئات ووجوه متباينة.
أما الخامسة فقد كانت تتكلم الايطالية، وتتدافع الكلمات من فمها كأنها طلقات مدفع رشاش بسرعة وتلاحق.
* * *
تابعنا المسير بحثاً عن دليلة أخرى لعلها تتكلم العربية.. ولكنهن كن خمساً فقط..
عدنا صاغرين لنختار واحدة من الدليلات.. كان علينا الاختيار بين الانجليزية والفرنسية.. فلا وجود للغات الثلاث الأخرى في بلادنا.
وتوقفنا أمام الفرنسية لأن عدد مرافقيها كان أقل من الانجليزية.
خلال الجولة عبر البناء الهائل تحار هل تصغي إلى الشرح أم تتأمل روعة ما تشاهد..
تحسّ بعظمة الإمبراطورية النمساوية أيام أسرة “هابسبرج” التي حكمت كثيراً من الممالك الأوربية واستمرت حتى الحرب العالمية الأولى. وكان اغتيال ولي عهدها شرارة انطلاق الحرب العالمية الأولى.

وتطالعك تماثيل نصفية لمشاهير الموسيقيين الذين ولدوا أو عاشوا في فيينا: بيتهوفن، شوبان، شوبرت، هايدن، برامز.. وسواهم وسواهم.
في نهاية الجولة سألت الدليلة النمساوية التي تتحدث الفرنسية:
– لماذا لا تخصصون من يتحدث العربية لمرافقة السائحين العرب في جولتهم؟

ابتسمت الدليلة بأدب.. وأجابت:
– إن كل أمر في الحياة يحكمه قانون العرض والطلب.. ونحن نختار اللغات حسب ضغط الزوار كمّاً ونوعاً.. فهل تجد بين زوار الأوبرا عدداً كبيراً من العرب.. وهل هم جميعاً حريصون أن تحدثهم بلغتهم، أم إن لهم مقاصد سياحية أخرى ومن نوع آخر؟

أجبتها:
– ولكن العربية لغة عالمية. وعدد المتكلمين بها أكثر ممن يتكلمون الفرنسية أو الإيطالية مثلاً. وهي لغة رسمية في الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة.
– هذا صحيح.. ولكن لقانون العرض والطلب رأياً آخر.. إن أصحاب اللغة هم الذين يفرضون أنفسهم على هذا القانون وبالتالي يجد الآخرون أن لا مناص من التنفيذ. وإذا أصبح عدد الزوار العرب إلى المبنى كافياً لتخصيص دليل لهم فلا شك أ ن هذا سيحصل.
* * *
خرجنا من المبنى الرائع بعد نهاية الجولة، وأنا أتساءل: هل بلادنا العربية ليست فيها عراقة فن البناء، ولا عراقة فن الموسيقى؟ وإذا كانت بعض العواصم العربية قد شيدت دور أوبرا، فلكي تعرض فيها فنون الغرب الموسيقية، متجاهلة تراثنا الموسيقي العريق والغزير، هذا التراث الذي نراه يذوي ويتلاشى في طيات النسيان، وتنفق الأموال الطائلة على فنون نستوردها مخالفين بذلك القاعدة الذهبية “أهل مكة أدرى بشعابها”.

ولا يزال هذا السؤال يؤرقني وأنا أرى الجهود الفردية لبعض أعلام الفن الموسيقي العربي التراثي وهم يصارعون فرادى تياراً أقوى منهم، وهو تيار ليس من تراثنا بل فرضناه على أنفسنا جرياً وراء “عقدة الخواجة”.
إن هذا ليس دعوة إلى تجاهل فنون الآخرين، ولكنها دعوة إلى أن تكون فنوننا لها المقام الأول، وبعد ذلك نهتم بالآخرين.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design