وردة الجوري

جورنال الحرية _ العراق

كتب الدكتور/ محمود شوبر

اصبحت اليوم بمزاج ممتاز يؤهلني ان اباشر بعض الاعمال المنزلية التي تخص حديقة البيت التي اعتبرها الجزء الاهم بالمنزل بعد مرسمي.

وبطبيعة الحال انا لست فلاحاً ماهرا وليست نظرتي للحديقة مثلما ينظر لها العم (ابو حسين) الذي يأتي بالشهر مرتين للاعتناء بمايزرعه من شتلات نتعارض انا وهو كثيرا عليها، فهو ميال لل(زرعات) التي تكون قوية ومثمرة ولها عمر طويل، وأنا ارى ان الحديقة عبارة عن مشتل للزهور.

اغتنمت فرصة غيابه اليوم وذهبت للمشتل القريب من البيت لاشتري ورود املأ بها السواقي التي حرصت ان تكون مسيجة بحجر القرميد الاحمر لتعطي تضادا لونيا مع خضرة الحشيش، وكلما جاءت الوانا اخرى زادتها بهجة وجمال.

اعتمدت على ذاكرتي ال(زراعية) التي تعود الى الدراسة الابتدائية حيث كان ضمن المنهج الدراسي انذاك درسا خاصاً لتعليم الزراعة! قبل ان يتم تقليص المناهج الدراسية بالصيغة نفسها التي تم تقليص (الحصة التموينية) من (21) مادة غذائية ورغم (الحصارالاقتصادي) في تسعينات القرن الفائت الى (4) مواد فقط في عصر (الديمقراطية) والانفتاح التام على السوق العالمية التي صارت تنظر لنا كبلد مستهلك من الطراز الاول، رغم امتلاكنا كل مقومات التكامل الاقتصادي ، شبكة ري مميزة مع نهرين يدخلان البلاد من الشمال الى الجنوب وكذلك موارد معدنية وبشرية اضافة الى موارد العملة الصعبة، ولكن واقع الحال نحن نستورد حتى البصل.

حينما ذهب الى المشتل صرت ابحث عن الورد وكان برأسي (ورد الجوري) الذي له بذاكرتي الكثير من الحنين الى ايام الطفولة ، وبيتنا القديم في (حي بابل) وذلك المتنزه الوافر الخضرة الذي كنت اجوبه يوميا قبل وبعد ذهابي وعودتي من المدرسة.

حين سألت صاحب المشتل قال يوجد عندي ورد جوري ايطالي، وداودي هولندي، وسباركس اماراتي وصار يعدد كل انواع الزرع، لم يعقب اي واحده منها بمفردة (عراقي)!!

عدت الى حديقتي محملاً بزهوري زائداً خيبتي الكبرى من هذا البلد الذي كلما تقدم العالم خطوة الى الامام تراجع هو عشر خطوات.

بلد زراعي من المستوى الاول يستورد حتى الورد
بلد نفطي من المستوى الاول يستورد مشتقاته
بلد صناعي من المستوى الاول يستور فرش الاسنان
بلد سياحي من المستوى الاول وجواز سفره لايؤهلك
للسفر الا لخمس بلدان
بلد صنع تاريخ الكون والان هو بلا ذاكرة!

تعكر مزاجي مما اضطرني للاتصال بالفلاح ابوحسين لئلا تموت هذه الوردات مثلما ماتت احلامنا خلسة من الزمان.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design