الفارس والتمثال

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا


في قلب العاصمة الجزائرية النابض بالحركة والنشاط، يمتد شارع “العربي بن مهيدي” بين ساحة بورسعيد وساحة البريد المركزي، فيعتبر بذلك من أهم عروق الحياة اليومية في الجزائر العاصمة.
وفي وسط الشارع ساحة صغيرة، أو نتوء جانبي -إن جازت التسمية- تستدير عبره رقعة خضراء على شكل حديقة بالغة الصغر، وفي وسطها أقيم تمثال لفارسٍ يمتطي حصانه ويشهر سيفه بيمينه.

من بعيد.. يلفت نظرك أن التمثال لإنسان عربي.. وذلك من طراز ملابسه. وحينما تقترب منه تتضح لك ملامح وجه الأمير المجاهد عبد القادر بن محي الدين الجزائري. وهو اسم مرسوم في وجدان كل جزائري.. بل هو عالق في ضمير كل عربي وذهن العالم كله. اعتبرت رؤية التمثال فرصة للحديث مع “فيليب” الفرنسي الذي كانت الجولات الكلامية بيني وبينه سجالاً.. وأدركت أنني في هذه الجولة سأخرج ظافراً.

قلت لفيليب: أرأيت كيف ينتصب تمثال الأمير عبد القادر متحدياً تعلو ملامحه أمارات الغبطة والاستبشار والكبرياء.

أجابني فيليب: ولكن صاحب التمثال الحقيقي انهزم أمام جيوشنا قبل قرن ونصف القرن وأخذناه أسيراً ثم نفيناه إلى دمشق وفيها مات ودفن.. فهل نعتزّ بالتمثال وننسى هزيمة الأصل؟!
قاطعت فيليب قبل أن يسترسل في نشوة انتصاراته القديمة: وهل تعتقد يا صاحبي أن القضية انتهت بهزيمة الأمير عبد القادر وأخذه أسيراً ونفيه بعد ذلك؟ هل العبرة بدراسة خطوة على الطريق أم بمتابعة الخطوات حتى آخرها. صحيح لقد مضى أكثر من قرن على ما تسمونه انتصاراً نهائياً.. ورسختم أقدامكم في أرض الجزائر.. ولكنكم لم تتمكنوا من اقتلاع جذور الأمير المجاهد التي هي جذور المقاومة لدى الشعب كله.. لقد كنتم دوماً مرفوضين وغزاة.. ولم تكونوا قط مقبولين في يوم من الأيام.

لقد أطفأتم لهب النار أكثر من مرة.. أسرتم الأمير عبد القادر.. وقضيتم على ثورة “المقراني” وسحقتم ثورة أولاد سيدي الشيخ، وفرضتم لغتكم وثقافتكم وزرعتم وجودكم في كل مكان، واغتصبتم أفضل الأراضي وحولتموها كروماً ومعاصر لنبيذكم.
ولكن كيف كانت النهاية ..
لقد ظلت النار مخبوءة تحت الرماد تنتظر لحطة الانفجار ليحدث الحريق الهائل..
حقاً إنكم أسرتم الأمير ونفيتموه إلى دمشق في العهد العثماني.. ولكن.. من الذي أعاد رفات الأمير إلى موطنه الأصلي؟ هل أنتم تكرمتم وسمحتم بإعادة الأمير إلى الجزائر “الفرنسية”؟! أم هم أحفاد الأمير المناضل نبتوا من بقايا الرماد وأشعلوا في وجوهكم ثورة القرن العشرين واقتلعوكم من أرضهم ورموا بكم وراء البحر إلى حيث جئتم من قبل؟

كان فيليب يشعر بأن الجولة ليست في صالحه.. ولكنه آثر أن يردّد بعض عباراته المألوفة.. فقال لي:
ولكنكم هكذا دائماً تتحدثون أكثر مما تفعلون.. وتتقنون العبارات الرنانة تطرب لها آذانكم..

أجبته فوراً: إن هذا التمثال للأمير رمز لنصرنا الكبير عليكم بعد ثماني سنوات من النضال جندتم خلالها وراءكم كل حلف الأطلسي.. ولكننا قهرناكم بإيماننا وعزيمتنا وحبنا لأرضنا.. ألا ترى إلى أية جهة يتجه وجه الأمير عبد القادر.. وفي وجه من يلوّح بسيفه متحدياً.. ألم تلاحظ أن التمثال متجه صوب الشمال.. صوب موانئكم التي عبرت منها جيوشكم قبل قرابة قرنين.. يوم كانت لغة الأساطيل هي السائدة دولياً..

إن هذا السيف المشهر باتجاهكم.. يقول لكم.. حذار أن تعيدوا الكرّة.. فنحن هنا لكم بالمرصاد.. وكل زنودنا سيوف وكل نبضاتنا جمرات ثائرة.
لقد هزمتم أميرنا في القرن التاسع عشر. ولكننا عدنا وثأرنا وهزمناكم وأعدنا رفات الأمير ونصبنا تمثاله رمزاً يواجهكم ويتحدى غروركم ويرفض حضارتكم الظالمة.
…… .
ومن المعلوم أن اكثر المدن الجزائرية يرتفع فيها تمثال للأمير المناضل الكبير عبد القادر .
ولكن الذي يلفت النظر ان بعض دول امريكا الجنوبية قد أقامت تماثيل للأمير عبد القادر لأنه يمثل رمزا للحرية ومقاومة الاستعمار .. وهذا موجود في المكسيك والارجنتين وفنزويلا .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design