“نفرتيتي” في برلين

جورنال الحرية

كتب : الباحث محمد قجة من سورية

تستقبلك ببسمتها الساحرة التي تضيء جوانب المتحف، المتحف الذي يحمل اسمها ويتربع وسط مدينة برلين ، عاصمة الرايخ الألماني، وواحدة من أجمل المدن الأوروبية مناخاً وتراثاً وعمراناً وطبيعة.
تدلف من بوابة المتحف الكبيرة ، فتطالعك(( نفرتيتي) في قفصها الزجاجي… لا تتوانى عن الابتسام ، ولا تعرف أساريرها التقطيب….
المتحف كله لها ، ولأقرانها ولأحفادها… متحف زحف عبر آلاف الكيلو مترات من ضفاف النيل الخالد المتدفق بالحياة والحيوية والأصالة، إلى ضفاف الألب والراين في أقصى الشمال الأوروبي.
من حولها النقوش والتماثيل والأحجار التي رقدت آلاف السنين في باطن الأرض.. ثم غادرت التراب لتأخذ أماكنها في قصور المتاحف وأقفاص الزجاج تحت الحراسة المشددة.
اقتربت من التمثال النصفي لنفرتيتي يوزع سحر بسمتها في كل مكان .. وخيل إلي كأن شفتي نفرتيتي تتفرجان عن حديث آت من أعماق القرون.
– ما الذي جاء بك إلى هذا المتحف ؟!.. وكيف كانت رحلتك عبر الزمان والمكان حتى وصلت إلى هنا أيتها الملكة العظيمة !!
– أما الزمان فعمري فيه أربعة وثلاثون قرناً… لا تستغرب ذلك , فلقد كنت أجمل الملكات المصريات :وكنت فاتنة عصري جمالاً وادباً وسلوكاً : إني آتية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد.. وكان زوجي الملك الفرعون امينو فيس الرابع الذي حكم بين عامي 1372-1353 ق.م . وهو الذي حول اسمه إلى (( اخناتون)) بعد أن رفض إتباع تعاليم كهنة (( آمون)) المتزمتين, و نادى بوحدانية ( آتون) مما جر عليه غضب كهنة آمون ومتاعبهم وخصوماتهم فأضطر زوجي إلى تحطيم معبدهم ونقل عاصمته إلى إقليم الأسمونين
– وهل كنت تحبين زوجك وتوافقينه على آرائه ؟
– لقد كان زوجي مفكراً عظيماً ورجلاً نبيل الأخلاق وحسن المعاملة … كان يحبني ويحترمني ، وكان يعامل أطفاله بحنان ومحبة ورعاية فائقة … وقد كنت شديدة الإعجاب برأيه ومعتقده وكنت أقف بجانبه بحماسة بالغة … وحينما وافاه الأجل حاولت المحافظة على تراثه وأفكاره ولكن خصومي كانوا أقوى مني وتمكن أحد القادة العسكريين ، ويدعى ((حورمحب)) من الاستيلاء على الحكم وأصبح فرعوناً لمصر من غير أسرة زوجي .
– هكذا إذن … فمنذ قديم الزمان كان بعض القادة العسكريين يفعلون فعلتهم …ونحن نحسب هذا تقليداً عصرياً !!
– بل إن ((حورمحب)) هذا أحدث تقليداً آخر هو أنه أوصى بالحكم لزميله في الجيش ((رمسيس الأول))
– نعم … نعم والطريف في الأمر أن هذا تكرر في مصر في العصر المملوكي أي بعد عصرك بستة وعشرين قرناً فلقد كان السلطان المملوكي يوصي بالحكم من بعده لأقوى زملائه حقاً إن التاريخ يعيد نفسه.
– ولكن كيف استطعت عبور المكان واتيت من مصر وهل أنت راضية بمكوثك في هذا القفص الزجاجي ؟
– هذا الحديث يطول ولكني أحب أن أقول لك من حيث المبدأ بأن تمثالي هذا توجد منه عدة نسخ اذهب إلى متحف القاهرة فسوف تجد صورة طبق الأصل عن هذا الماثل أمامك في برلين
– لقد رقدت في جوف ثرى مصر الطيب ومرت السنون بالمئات والألوف وتواترت الأحداث والدول حتى سمعت صوت أقدام غازية قادمة من وراء البحر لقد جاء نابليون الفرنسي وبدأ العلماء الذين رافقوه بنبش الأرض ولم يكتفوا بذلك بل شكلو افرق عمل مختلفة فرنسية وإيطالية وألمانية وروسية.
وبريطانية.. إلى درجة أنهم أسسوا علماً حديثاً اطلقوا عليه اسم (( ايجبتولوجي)) أي علم دراسة الآثار المصرية القديمة..

وكانت المدرسة الألمانية بزعامة ( لبسيوس) ومن بعده( آرمن) من أنشط المدارس التي بحثت عنها وعن اقرأني.. وبدأنا نخرج من باطن التراب لنأخذ طريقنا زرافات ووحدانا إلى متاحف أوروبا وساحاتها وقصورها
لقد كان نهباً منظماً يحرسه العلم تارة والسيف ثارة أخرى..
اذهب إلى المتحف البريطاني.. إلى اللوفر في باريس.. إلى اي متحف أوروبي أو أمريكي .. ستجد ظلالاً مني في كل مكان .. لقد بقيت ارضي تشرب الحياة من النيل ، وتسقي الحضارة عبر التاريخ .. وكانت ارضي دوماً ( القاهرة) لكل من غزاها أو حاول احتواءها, حتى أصبحت القاهرة رمزها الخالد.
ودعت نفرتيتي في برلين لأبحث عن ظلالها في متاحف العالم المختلفة

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design