شفشاون .. والمفتاح

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

عندما تغادر مدينة ” سبتة ” باتجاه الداخل المغربي .. يقودك الطريق البري نحو ” تطوان ” غير بعيد من شاطئ المتوسط .
وتطوان مدينة بناها بنو مرين عام 710 هـ ــ 1310 م لتكون قاعدة أمامية للدفاع عن سواحل الشمال .
وقد احتلها الأسبان في مطلع القرن العشرين مع احتلالهم لشمال المغرب المعروف بمنطقة الريف. وغادروها بعد تحرير المغرب من الاحتلال الأسباني والفرنسي .
وعلى مقربة من مدينة ” تطوان ” بلدة تدعى ” شفشاون ” معلقة في إحدى قمم جبال الريف المطلة شمالاً على المتوسط .
لم اكتشف ” شفشاون ” مصادفة .. بل كان لي فيها صديق من أهلها تعرفت عليه في باريس ودعاني غير مرة لزيارته في معقله الجبلي الجميل .
تسلقنا الطريق الجبلي عبر سفوح خضراء رائعة لم تفارقها بعدُ قطرات ندى الفجر, والشمس المتوسطية ليست شديدة القسوة مع خيوط الصباح الأولى .
وصلنا البلدة الوادعة مع الضحى, ولتونا سألنا عن الحي الذي يسكنه صديقي ” مفتاح “, واهتدينا إليه سريعاً, فالبلدة ليست بكبيرة, ولكننا اضطررنا إلى ربط عنان السيارة ومتابعة الطريق مشياً على الأقدام حينما ضاق الشارع وأصبح زقاقاً قديماً يعبق برائحة عدة قرون ماضية .
بلغنا المنزل حسب العنوان المرسوم.. وطرقنا.. وما من مجيب.. لم يكن ” مفتاح ” ليترك المنزل وهو على علم بقدومنا في تلك الفترة.. وفجأة, فتح الباب المجاور وأطل شاب في مطلع الثلاثينيات, وسألنا بلباقة وأدب عما نريد؟. ثم أخبرنا بأن جاره مفتاح اضطر للسفر إلى فاس لأسباب قاهرة ويعتذر شديد الاعتذار .
كان المفروض أن تنتهي رحلتنا إلى شفشاون عند هذا الحد ونغادرها نحو العمق المغربي.. ولكن جار مفتاح الذي علمنا أن اسمه عبد الله ألح بشكل قاطع أن ندخل بيته لنستريح من عناء السفر قليلاً. ولم يكن هناك مفر من القبول تحت ضغط حرارة الدعوة .
البيت على الطراز العربي.. فسحة دار تعانقها الشمس كل يوم منذ الصباح وحتى الغروب.. وغرف متناثرة على جوانبها الثلاثة, وبقي الجانب الرابع للباب الخارجي .
اقتعدنا الأرض وعليها البسط والأرائك, وبعد لحظات جاء الشاي المنعنع على الطريقة المغربية والكؤوس الصغيرة رائحة غادية .
لم يسمح لنا عبد الله بمغادرته بعد الشاي واحتجزنا للغداء .
حينما علم عبد الله أنني من الجناح المشرقي للوطن العربي وأنني كنت في زيارة لأسبانيا قبل دخول المغرب, تسمّرت عيناه فيّ لحظة كأنه يسترجع شريط ذكريات بعيدة.. وانطلق يحدثني بلا توقف ..
ــ وصلت أسرتي إلى المغرب قبل خمسة قرون.. لقد كنا نسكن ” مالقه “.. تلك القابعة وراء البحر.. لقد ظلت مدينتنا تقاوم الهجوم القشتالي حتى اللحظات الأخيرة ثم سقطت عام 1487 م ــ 893 هـ وتدافع الناس إلى مراكب الميناء.. فغرق من غرق, ونجا من نجا, ووصل أحد أجدادي إلى فاس.. ثم ارتحل جدّي إلى شفشاون يحمل معه رائحة الوطن الضائع وخيطاً من الأمل أو الوهم هو ذلك المفتاح الصدئ المعلق أمامك على الجدار ..
لم أعد أعي بقية حديثه وهو مسترسل يسرد ذكرياته… وتعلقت عيناي بالقطعة الحديدية القديمة تتدلى على الجدار كسيرة خابية وكأن لونها الكابي وغبار الزمن عليها يقولان.. لا رجعة .
قطع الحديث وخيوط الذكريات وصول طعام الغداء, كان دجاجاً مطبوخاً بالزيتون والليمون على الطريقة المغربية. وقبل تناول الطعام أحضر ابريق الماء ومعه طست لغسل الأيدي ونحن جالسون, ومرة ثانية طاف الشاي المنعنع يختلط برائحة الذكريات المؤلمة .
في اليوم التالي ودعت عبد الله طالباً منه أن يبلغ تحياتي لصديقي مفتاح.. ولست أدري لماذا علقت بذهني صورة المفتاح المالقي الأندلسي كلما ذكرت صديقي ” مفتاح ” .
قلت لعبد الله وأنا أودعه :
ــ يبدو أن أجيال أمتنا نسيت عادة اصطحاب المفاتيح حينما تغادر بيوتها… فلكثرة المغادرة لم يعد الوقت كافياً لحمل المفاتيح .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design