نظرية الصحافة الحرة

جورنال الحرية
كتب أ.د/ محمد البخاري _ طشقند

سميت هذه النظرية بنظرية الصحافة الحرة كونها تؤمن بالفرد أساساً، وتعتبر أن الفرد يولد وهو مزود بحقوق طبيعية، وتؤمن وتفترض أن الفرد كائن عقلاني وأخلاقي وأن أخلاقيته تحدد له ما يجب المحافظة عليه دون قانون، أي تمتعه بالحرية المطلقة في حياته، وآرائه، والدعوة إلى العيش الكريم دون أي تدخل من السلطة. ويرى أصحاب هذه النظرية أن الفرد أسمى من الحكومة، ومن الدولة. وأن الدولة هي وسيلة فقط، أو واسطة يمارس من خلالها الفرد نشاطه، وحين تقف الدولة في وجهه فعليه محاربة تلك القوة التي تمنع تحقيق أهدافه التي يرغب الوصول إليها.
وقد لدت هذه النظرية من صلب نظرية السلطة المطلقة، والإستبداد العبودي للإنسان متمثلة بسلطة: طبقة الملوك؛ وطبقة النبلاء؛ وطبقة الإقطاع؛ وسلطة الكنيسة.
التي عانت منها الشرائح الإجتماعية على إختلاف أنواعها بالإضطهاد السياسي والإقتصادي والنفسي وحتى الديني، وكان الظلم المتمثل بنظام الأقنان من أقسى أنواع الظلم البشري، ولذلك فقد تمتع النظام الحر أو الليبرالي في بعض التسميات، بمسحة سحرية تمتع بها الفرد ومن ثم المجتمع بالديمقراطية الليبرالية والتقدم بمعايير ذلك الزمن.
مبادئ النظرية الحرة:
تعتمد النظرية الحرة على مبدأين أساسيين هما:
مبدأ الفردية؛
ومبدأ المنافسة.
ويرتبط هذان المبدآن إرتباطاً وثيقاً بالنظريات الإقتصادية والسياسية. ويعتبر مبدأ الفردية أو الحرية الفردية من المبادئ الواضحة في مفهوم النظرية الحرة ويرتكز أساساً على حرية النشاط الفردي في المجالات الإقتصادية والسياسية، كرد فعل لما ظل سائداً لقرون طويلة من إضطهاد للفرد من قبل الإقطاع. حيث ناضل الرواد الأوائل لهذه النظرية من أجل أن تظل الحكومات بمنأى عن التدخل في شؤون الأفراد ونشاطاتهم الإقتصادية والفكرية. وفي شؤون وسائل الإتصال والإعلام أيضاً.
إيديولوجية نظرية الصحافة الحرة:
وكان ظهور نظرية الصحافة الحرة نتيجة للتطورات الفكرية والأحداث السياسية الإجتماعية التي مر بها المجتمع الأوروبي. ومن أهم تلك الأحداث في التاريخ الأوروبي الحديث: إندلاع الثورة الفرنسية عام 1789م التي أعلنت حقوق الإنسان وطرحت مبادئ كان لها تأثير كبير في التاريخ الإنساني، وسمحت للفرد بالتحرر ومزاولة نشاطاته الإقتصادية والفكرية دون أي نوع من أنواع التدخل من جانب الدولة. وأعتبرت الدولة مسؤولة عن وظائف محددة هي:
المحافظة على القضاء والأمن في الداخل؛
والدفاع عن الوطن ضد أي إعتداء خارجي؛
وإحترام حقوق المواطن في التفكير والعمل الإقتصادي والإجتماعي والفكري والسياسي.
وساعد ظهور نظرية الحرية على ظهور الديمقراطيات الرأسمالية، ومن ثم ظهور الإحتكارات بأوسع معانيها.
وحقق مفهوم نظرية الحرية إنتصارات كبيرة على صعيد المجتمع الأوروبي وعلى صعيد الفرد فتوسع التعليم الذي لم يكن متيسراً كما هو معروف الآن قياساً بما تحقق بعد زوال العهد الإقطاعي الإستبدادي، ومنح حق الإنتخاب لأكثر المواطنين ومنها حق الفرد في ممارسة نشاطاته الإجتماعية، والتنافس للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح المادي، وزيادة الإنتاج مما حقق للمجتمعات الرفاهية والتقدم.
وظهر مفهوم الحرية بادئ الأمر في أوساط الطبقة الوسطى في المجتمع الأوروبي، التي طالبت بالحرية، وضمان حقوق الأكثرية في المجتمع. وتجلى هذا الأمر بالوضوح عندما تبنت الحركات السياسية مبدأ المناشدة بالحرية.
وكان لظهور الفيلسوف جون لوك أثر كبير على تطور نظرية الحرية، عندما قال: بأن الشعب هو مصدر السلطات. ويفسر هذا القول أن الشعب يمكنه أن يسحب السلطة متى شعر بأن الحكومة لا تعمل لصالحه.
وجاء جون ملتون 1644م ليقول: أن الحقيقة لا تضمن لنفسها البقاء إلا إذا أتيحت لها الفرصة لأن تتقابل وجهاً لوجه مع غيرها من الحقائق في طرح كامل وبحرية تامة.
بينما رآى جون راسكين: أن كل إنسان يسعى لتنوير الآخرين لا إلى تضليلهم، ومن حقه أن ينشر كل ما يدور بعقله وما يختلج ضميره سواء أكان في الموضوعات الحكومية أم في الموضوعات الخاصة.
أما جون ستيوارت فقال: أن من حق الفرد الناضج في المجتمع أن يفكر ويتصرف كما يشاء مادام لايؤذي أحداً بتفكيره أو تصرفه. وما دام هذا التفكير والتصرف يؤدي إلى منفعة الآخرين.
وانتشرت هذه الطروحات الفلسفية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكانت ترمي في الأساس إلى مايلي:
تطبيق الحرية بمعناها الواسع؛
وإحترام الإنسانية وحفظ قيمة الفرد؛
وضمان مستقبل الفرد؛
وتحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمع.
ولم تجد تلك المبادئ طريقها إلى التطبيق إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، في ظل هيمنة الدول الصناعية المتقدمة وسيطرتها على الإقتصاد ووسائل الإتصال ووسائل الإعلام الجماهيرية.
الصحافة الحرة ووسائل الإعلام الجماهيرية:
لكل نظرية من النظريات شكلها المعين ومفاهيمها المعينة التي تسيطر من خلالها على أساليب وأنماط الإعلام. وتنبع فلسفة الإعلام عادة من فلسفة الدولة، فالإعلام في نظرية السلطة المطلقة هو إعلام إستبدادي إستعاضي، أي أن الدولة كما ذكرنا تحل محل الشعب عن طريق كتابها وألسنتها الناطقة بإسمها، ولا تسمح إطلاقاً إلا بما يراعي مصالحها وتوجهاتها. إضافة لفرضها رقابة قسرية على وسائل الإتصال ووسائل الإعلام الجماهيرية.
وقد أدى ظهور نظرية الحرية إلى صراع تمثل بين المفهوم الغربي للحرية، والمفهوم السوفييتي للحرية، إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والشرقي بقيادة الإتحاد السوفييتي والإختلاف المطروح كان: أيّ المفهومين أصدق أو أقرب أو أنفع للفرد والمجتمع؟ فكلا الجانبي كانا يتهمان بعضهما بإضطهاد الإنسان وإستغلاله وكل منهما طرح أسلوبه وأفكاره وفلسفته بين الجماهير وروج لها بين الشعوب. وقد سَخِرَ الماركسيون من الحرية النظرية التي عرفها العالم الغربي عندما أعلن ستالين: ” إنه لامعنى مطلقاً للحرية بالنسبة للمتعطل عن العمل، ولا معنى للحرية بالنسبة للجائع فإن الحرية لا توجد إلا عندما يختفي الإستغلال والتسول والخوف أو يختفي شبح البطالة من المجتمع إختفاءً تاماً “.
وهذا كلام واضح لايحتاج إلى تعليق. فالسخرية تبدو رافضة تماماً لهذه النظرية. بينما أعلن الغربيون أن صحافتهم تتمتع بالحرية المطلقة وأن الصحافة السوفييتية تنوء تحت وطأة السلطة، وأنها تخضع كل الخضوع للرقابة الحكومية أو رقابة الحزب الواحد. بينما أعلن السوفيات أن صحافتهم غير مأجورة كالصحافة الأمريكية التي إتهموها بأنها مأجورة، وأن الصحافة السوفييتية ليست خاضعة لسيطرة رأس المال والإحتكار كما هو الحال في الغرب. ووصفت الصحافة الأمريكية نفسها بأنها صحافة الخبر وأنها تساير في ذلك التطور الصحفي في البلاد المتقدمة، وأنها قادرة على نشر الأخبار بسرعة فائقة، وأنها أقدر من سواها على تسلية القارئ وإمتاعه وتزويده بالمعلومات النافعة.
بينما ردت الصحافة السوفييتية بقولها أن السبق الصحفي في الأخبار وتسلية القراء لا يعتبران جزءاً من الخدمة العامة التي تقدمها الصحافة الرشيدة للشعب. كون أن خبر التسلية والترفيه عن القراء كثيراً ما يكون منافياً للشرف الصحفي وفق المفهوم السوفييتي.
وعلى العموم فإن الغرب يضع الحرية في المرتبة الأولى والمسؤولية في المرتبة الثانية بينما السوفييات قبل الإنفتاح الغورباتشوفي في ثمانينات القرن العشرين كانوا يضعون المسؤولية أولاً والحرية بعد ذلك. وتغيرت الظروف والطروحات بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي، ولاحت تباشير الإنفتاح على المفهوم الغربي للحرية والديمقراطية في وسائل الإعلام الجماهيرية للدول المستقلة التي قامت على أنقاض الإتحاد السوفييتي السابق، وأنقاض المنظومة الإشتراكية السابقة التي كان يقودها الإتحاد السوفييتي السابق. وراحت تلك الدول تبحث عن مكان لها في النظام العالمي الجديد، منفتحة على العالم بعد سنوات طويلة من العزلة والمواجهة.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design