مَن يَحرقُ الحنطةَ.. يحرقُ الحياة

جورنال الحرية

كتب/ صبري يوسف _ السويد


(ومن يحرق البساتين وأشجار الزَّيتون واخضرار الغابات يحرق الذّات والرّوح!)!
1
تهرّأَ الشَّرقُ من طغيانِ الشُّرورِ
وافتراسِ أنيابِ القحطِ
اشتعالاتٌ حارقةٌ اجتاحتْ براري القمحِ
في أبهى عذوبةِ النّهارِ
اكتسحتْ خيراتُ الأرضِ
دموعُ الفلَّاحينَ انسابتْ ألماً
من تفاقمِ نيرانِ الغدرِ!

تهدَّلتْ أجنحةُ المحبّةِ
من طغيانِ الشَّراهاتِ
انحرافٌ مريعٌ نحوَ شرائعِ الغابِ
بكتِ الأطفالُ من هولِ دخانِ القبْحِ
اغبرَّتْ منابعُ الخيرِ
اكفهرَّ وجهُ الصَّباحِ
وغابتْ منابرُ التَّنويرِ
عن خميلةِ الأوطانِ
كأنَّنا في زمنٍ معشَّشٍ بالخرافاتِ!
براعمُ الشَّرقِ في أوجِ الاشتعالِ
أكلتِ النِّيرانُ خيراتَ الأرضِ
امتصَّتْ هداهدَ الحلمِ
جنَّ جنونُ الآباءِ عندما رأوا لهيبَ النّارِ
تحرقُ سنابلَ الخيرِ
مروجُ الشَّرقِ في طريقِ الاندثارِ!

قُتِلتْ أحلامُ الكائناتِ الغافية
في جحورِها الآمنة
حتَّى الأرانب تفحّمتْ
بين حقولِ القمحِ
أينَ المفرُّ من لظى الأشرارِ؟!

احترقتِ الفراشاتُ من أجيجِ النّارِ
تلظَّتِ بيوضُ الطُّيورِ قبلَ أن ترى النُّورَ
تحوَّلتِ الحياةُ إلى كابوسٍ
مفخَّخٍ بانشراخِ الفكرِ
مَنْ يستطيعُ أن ينقذَ الشَّرقَ
مِنَ تفاقمِ شفيرِ الانحدارِ؟!
يئستِ الأفواهُ من تفشِّي أنيابَ القحْطِ
ضجرٌ لا يُطاقُ
من اندلاعِ أجيجِ الحروبِ
ضاقتِ الدُّنيا بالكهولِ والكبارِ والصّغارِ
جنوحٌ نحوَ شفيرِ الهلاكِ!

تاهَ الإنسانُ عن منارةِ الحبِّ
انزاحَ عن ضياءِ الحياةِ
غاصَ عميقاً في بُرَكِ القيرِ
كأنّهُ من أورامِ القُبْحِ
وفي أوجِ اندلاعِ الجمرِ!

رؤيةٌ موشومةٌ بسيوفِ القهرِ
تنثرُ سمومَ يرقاتِها في عذوبةِ الماءِ
شبَّتْ نيرانُ الحقدِ في براري الرّوحِ
حرقَتْ مواسمُ الخيرِ
صراعٌ يزدادُ انتكاساً
نحوَ دروبِ الجنونِ
لغةُ احراقِ الحنطةِ من أقبحِ القباحاتِ!
تهدَّلَتْ لغةُ الفضيلةِ
في زمنِ الاخضرارِ
وغاصَتِ الأخلاقُ
في قيعانِ الاحتيالِ
انحلالٌ حتَّى النّخاعِ
سياساتٌ مقعَّرةٌ
في مهبِّ الضّياعِ!

رؤيةٌ سقيمةٌ معتّقةٌ بالمراراتِ
تجتاحُ أحلامَ الغدِ الآتي
بعيدةٌ عن خصوبةِ البحرِ
غائصةٌ بكلِّ طيشٍ
في ميادينِ الدَّمارِ!

رؤيةٌ عقيمةٌ تهيمنُ
فوقَ بيادرِ الخيرِ
تزدادُ اشتعالاً في حصادِ العمرِ
آفاقٌ حارقةٌ في وضحِ النّهارِ
أينٍّ المفرُّ من آفاتِ الاشتعالِ؟!
اجتاحتْ نيرانُ الحقدِ سهولَ القمحِ
حرقَتْ حنينَ الطُّفولةِ
إلى أحضانِ الأمّهاتِ
تفحَّمتْ سنابلُ القمحِ
في أوجِ نضوجِها
الإنسانُ رحلةُ نارٍ
فوقَ مروجِ الدُّنيا
رؤيةٌ مفخَّخةٌ بالقبحِ
ومجوَّفةٌ بنيرانِ الانهيارِ
تفشَّتْ رؤاهُ فوقَ طينِ الحياةِ!

انزلاقٌ نحوَ سمومِ أنيابِ الحقدِ
توغَّلَ لهيبُ اللّظى
في مهودِ الأطفالِ
لا يبالي الغدّارُ ببراءةِ الطُّفولةِ
ولا بأحزانِ الآباءِ والأمّهاتِ
خرجَ الإنسانُ عن خِصالِ البشرِ
غائصاً في زوابعِ الكرهِ
ناشباً مخالبهُ في وجهِ بشائرِ الخيرِ!
ماتَتْ بسمةُ الوئامِ عن وجوهِ الآباءِ والأمَّهاتِ
عندَ بزوغِ الصَّباحِ
وعندَ هبوطِ اللَّيلِ
هيمنَ الحزنُ على قلوبِ الأطفالِ
انجرافٌ مريرٌ نحوَ ميادينِ الشُّرورِ
انقلبتْ معاييرُ الخيرِ رأساً على عقبٍ
لم نعُدْ نرى عذوبةَ الماءِ
ولا سطوعَ القمرِ
في كبدِ السَّماءِ
تهاطلَتْ علينا كل أنواعِ السُّمومِ
انحرافٌ تام عن وِهَادِ الحبِّ

أكتبُ حرفي كي أخفِّفَ من ضراوةِ الاشتعالِ
كي أمحقَ من شراهةِ لهيبِ النّارِ
تفحَّمَتْ حكمةُ الحكماءِ
تحتَ أنقاضِ الرّمادِ
مَنْ يستطيعُ أن ينقذَ
ما تبقَّى من عجينِ الخيرِ
من شراهةِ أنيابِ الغدرِ؟!
كانَ الشَّرقُ يوماً
وعلى مدى قرونٍ من الزّمانِ
منبعَ الحضاراتِ
دفءَ الحرفِ
أشهى ما في عذوبةِ الماءِ ..
أواهٍ .. بغمضةِ عينٍ وبكلِّ جنونٍ
غدا من أقبحِ حضاراتِ الدُّنيا
غابَ عن مذاقِ الحضاراتِ
أصبحَ حضارةَ من ليسَ لهُ حضارةً
لا أرى إلَّا قُبْحاً يهيمنُ على ربوعِ الشَّرقِ!

هل وجدتُم في تاريخِكم الطَّويلِ أو القصيرِ
بشراً يحرقونَ الحنطةَ .. نعيمَ الحياةِ؟!
هل وجدتُم في حياتِكم حماقةً
تفوقُ حماقةَ من يحرقُ الحياةَ؟!
أليستِ الحنطةُ رحيقَ الحياةِ؟!
كم أشعرُ بالأسى عندما أرى لهيبَ النّارِ
تزدادُ اشتعالاً في سهولِ القمحِ
أشعرُ بهزيمةِ الشَّرقِ أمامَ حضاراتِ الكونِ!
عندما يصلُ الإنسان إلى إحراقِ الحنطةِ
يكونُ قد فقدَ إنسانيّةَ الإنسانِ
وأصبحَ مرصرصاً
بكلِّ أنواعِ الغدرِ والافتراسِ
لا يختلفُ عن أيِّ وحشٍ
من وحوشِ الغاباتِ
وللوحوشِ أعذارُها عندما تفترسُ طرائدَها
فهيَ تفترسُها من أجلِ استمراريّةِ العيشِ
أما بني البشر فهم يفترسونَ بعضَهم بعضاً
من البطرِ .. لأنَّهم فقدوا إنسانيّتهم
وأصبحوا من فصائلِ الوحوشِ
من حيثُ الافتراسِ!

الشَّرقُ منبعُ الحضاراتِ
كنزٌ ولا كلَّ الكنوزِ
وا أسفاه … أراهُ يرزحُ تحتَ آهاتِ الأنينِ
تقلَّصَتْ منابرُ الحكمةِ
فِكْرٌ مقعَّرُ الآفاقِ ومخلخلُ الأجنحةِ
اجتاحَ اخضرارَ السُّهولِ وأعماقَ الصَّحارى!
جفَّتِ الأنهارُ من شفيرِ الاشتعالِ
تاهَتِ العقولُ عن دروبِ العطاءِ
انحدارٌ نحوَ أكوامِ الغبارِ
تهرّشتْ وجنةُ الحضارةِ
في دُنيا الشَّرقِ
تهشَّمتْ تجلِّياتُ اليراعِ
من هولِ تفاقماتِ الصِّراعِ!

جنَّ جنونُ الشَّرقِ
من تفاقماتِ هولِ الخرابِ
وجحظتْ عيونُ الغربِ
توجُّساً ومُكراً لا يخطرُ على بالٍ
خرابٌ مريعٌ يجتاحُ مآقي الكونِ
ضياعٌ مرعبٌ تفشّى
في عرينِ الأرضِ
تهدَّلتْ أجنحةُ الحضاراتِ
تاهَ الإنسانُ في خضمِّ الغباءِ
تحجَّرتْ قلوبُ البشرِ كأنّها مستولدة
من صلابةِ أحجارِ الصّوَّانِ!
أحنُّ إلى دِفءِ الشَّرقِ
إلى مرابعِ الطُّفولةِ
إلى أيّام الحصادِ
إلى حبورِ أيَّامِ العيدِ
إلى عذوبةِ القهقهاتِ!

أحنُّ إلى زمنِ الرّكوبِ على النّوارجِ
زمنِ الفرحِ وبهاءِ الطَّبيعةِ
زمنِ الخيراتِ وبساطةِ الحياةِ
أحنُّ إلى خصوبةِ الأرضِ
إلى اخضرارِ أغصانِ الرّوحِ!

أحنُّ إلى إنسانيّةِ الإنسانِ
إلى عناقِ الأصدقاءِ
إلى حنينِ الأمّهاتِ
إلى صفاءِ السّماءِ
أحنُّ إلى ذاتي الهاربة من شراهاتِ الغدرِ
أراني محاصِراً بلهيبِ النّارِ
رغمَ فراري إلى ما وراءِ البحارِ!
……. …. ………!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design