أميرة قرطاجة

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

وقفت الاميرة «سوفونيسب» تطل من نوافذ قصرها الشامخ على امواج المتوسط, وهي تتلاشى على اقدام صخور الميناء. وترسل لحاظها بعيداً, فترى الاسطول القرطاجي يملأ ارصفة «قرطاجة» العظيمة. وفوقه حركة الجند دائبة لا تفتر.
كانت مدينة قرطاجة قد سلخت سبعة قرون من عمرها, وهي عروس البحر الابيض المتوسط, وعاصمته الفعلية سياسياً وتاريخياً وحضارياً. تربعت في عنق خليج تونس, تراقب منه الموج وهو يغدو ويروح, وتبسط نفوذها على ما حولها بنفس حضاري رفيع.
كانت قرطاجة وقتها اكبر مدينة, وأجمل مدينة, وأغنى مدينة, حول البحر المتوسط, وكان المتوسط هو كل الدنيا وكل الحضارة.

التفتت «سوفونيسب» لدى سماع الباب وهو يفتح, ويدخل منه زوجها «هزدروبال» قائد قرطاجة وزعيمها, وهو متجهم غاضب, وأسرعت الاميرة تخفف عن زوجها المحبوب, وتسأله عما به من شجون, لعلها تستطيع مقاسمته اياها.
اطرق القائد وملامحه تعبر عن القنوط واليأس, ثم رفع رأسه بتثاقل قائلاً: لقد وصل اليوم وفد من «روما». وقدم مطالبه بشكل موجز, وهي تتلخص في نقطتين على قرطاجة ان تختار احداهما:
الاولى: يجب على «قرطاجة الكنعانية الفينيقية» ان تسلم كل ما لديها من اسلحة في البر والبحر الى «روما الاوروبية». وأن ترسل ثلاثماية شاب من ابناء اعضاء مجلس الشيوخ القرطاجي رهائن لدى الرومان.
الثانية: الحرب الشاملة ضد قرطاجة, وتدميرها من قبل جيوش روما المتغطرسة.
وجمت الاميرة, وهي تسمع ذلك من زوجها القائد, وصعدت الدماء الى وجهها الساحر الجميل, وأجابت من غير تردد:
¬ كلا ايها القائد, لن نلقي السلاح, ولن نرسل الرهائن, فهم في جميع الاحوال آتون, ولن يرضيهم شيء سوى ان يزيلونا من الوجود, ويحلّوا محلنا. انهم لن يقبلوا التعايش معنا مطلقاً, انهم يريدون كل شيء لهم ولغرورهم. وان لدينا القوة الكافية لردهم على اعقابهم اذا هم اقبلوا.
تنهد «هزدروبال», وهز رأسه اسفاً وهو يقول:
¬ اين هي القوة التي تتحدثين عنها… ألا تعلمين اننا امضينا عشرين عاماً في حروبنا ونزاعاتنا الداخلية التي استنزفت كل شيء, وأكلت الاخضر واليابس وجعلت «روما» تتغطرس علينا. ألا تذكرين حركة «هانو» الانفصالية. ألا تذكرين تمرد «ماسينسا» وخروجه على الدولة. لقد كان الرومان يرقبون معاركنا المحلية بهدوء وشماتة, حتى اذا هدأت تلك المعارك اقبل وفدهم قبل ان نتمكن من التقاط انفاسنا.
تساءلت الاميرة «سوفونيسب»:
¬ ما الذي تراه اذاً ايها القائد؟!
اجاب «هزدروبال»:
¬ ارى ان نلبي المطلب الاول فنرسل اليهم الرهائن, ونسلمهم الاسلحة, لعلهم يتركوننا نعيش بسلام, ونهنأ بخيرات ارضنا في ظل هذا السلام.
اعترضت الاميرة قائلة:
¬ ومتى كان السلام الذي يفرضه العدو سلاماً حقيقياً؟ وهل يسمح لنا الرومان ان نهنأ بخيرات ارضنا بعد القاء السلاح. انها مقدمة لدمارنا الذي نصنعه بأيدينا ونحن غافلون عن نتائجه البعيدة.

رضخت قرطاجة لمطالب الرومان, وأرسلت رهائنها, وألقت سلاحها, ورضيت بشروط «السلام الروماني». وعلى الفور جاء وفد روماني جديد يحمل مطلباً جديداً:
¬ ان مطلبنا بسيط جداً ايها القرطاجيون: عليكم ان تغادروا مدينتكم الجميلة نهائياً, فهي ملك لنا, ويمكنكم الرحيل بعيداً الى اعماق ا فريقيا, استوطنوا هناك, وعليكم ان تغادروا مدينتكم تاركين اموالكم وأرزاقكم.
احس القائد «هزدروبال» بفداحة الخطأ الذي ارتكبه. وأدرك أن معاهدة «الصلح المشؤومة التي عقدها مع الرومان كانت مقدمة لطغيان نفوذهم, والاسفار عن اطماعهم وانفرادهم بالهيمنة والغطرسة.
امر «هزدروبال» بالاستعداد فوراً للمعركة, واستطاع القرطاجيون خلال فترة وجيزة اعادة بناء اسطولهم وتسليح جيشهم, ولكنه لم يكن بالقوة السابقة. وشاركت النساء في اعمال الاستعداد, حتى ان بعضهن جدلن شعورهن حبالاً لأشرعة السفن.
ووصلت جيوش الرومان بقيادة «سكيبيو» الفظ الشرس, ولديه اوامر بإبادة قرطاجة ومحوها من الوجود.
ألقى الرومان الحصار على قرطاجة العام 149 ق.م. واستمر حصارهم ثلاث سنوات, دافع خلالها القرطاجيون عن مدينتهم ببطولة فريدة… من شارع الى شارع… ومن بيت الى بيت. وهم يدفعون في ذلك ثمن اخطاء قيادتهم المترددة التي لم تشاورهم في الامر.

سقطت «قرطاجة» العظيمة النبيلة العام 146 ق.م, وسقط معها نفوذ حضارة الشرق على البحر المتوسط. . قاتلت المدينة حتى الرمق الاخير, وحينما وُوجه «هزدروبال» بالنهاية المأسوية حاول ان يفاوض من جديد لضمان حياته وأسرته. ولكن الاميرة «سوفونيسب» رفضت الاستسلام قائلة لزوجها:
¬ ما فائدة الحياة الذليلة في ظل عدو مغتصب.
جمعت الاميرة اولادها, وقذفت بهم الى النار المشتعلة, ثم قذفت بنفسها وراءهم وهي تنادي:
¬ لا حياة لنا بعد قرطاجة.
ولقد نفذ القرصان «سكيبيو» ما جاء من اجله وهو يعبر البحار الى قرطاجة. دمر المدينة بأكملها وأحرقها, وقتل السكان جميعاً, لم يوفر طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً, ولم يعبأ بمن لجأ الى معبد, اباح المدينة الجليلة لجنوده المتوحشين ينهبونها ويغتصبونها ثم يدمرون فيها كل شيء.
وبعد انتهاء الحرائق امر «سكيبيو» الروماني بحرث الرماد الناتج من الحرائق, وذر الملح في الارض حتى لا تصلح لأي شكل من الحياة مرة اخرى.
وغابت قرطاجة الكنعانية الفينيقية… الى الابد.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design