نحو مدرسة سورية للعمارة

جورنال الحرية

كتبت الباحثة/ سها شعبان _ الإمارات أبو ظبي

اليوم نقدم شغف سيدة حلبية مولعة بحب مدينة حلب، نقدم “النانا” سهى شعبان التي مضى عليها سبع سنوات في أقبية التراث الحلبي تبحث وتقيم وها هي تروي لنا الخطوط العريضة من قصة شغفها وبحثها المضني عن تقنيات للحفاظ على التراث خاليا من اهتمام أحد به سوى جامعة أميركية بعد اندفاعها لبلدها الذي شعرت بتغيراته الديموغرافية للمشاركة في الإمارات في “قمة حفظ التراث بشكل طارئ عبر وسائل التواصل الاجتماعي ” عقبها لقاء مع الصحافة الغربية تلاه محاولة إلقاء الضوء على جهودها من مغتربين في كندا ولنبق مع سيدة غير عادية حشدت الآلاف من السوريين الحالمين بالحفاظ على إرث مدينتهم ومدينتنا الغالية حلب.

***

شغف حفظ التراث

أنهيت دراسة الأدب الفرنسي في جامعة حلب عام 1985 وفي العام التالي حصلت على دبلوم في الترجمة والتعريب .. ومع دخول العام الدراسي 1987- 1988 بدات بالتدريس ( كمحاضرة في جامعة حلب) ولمدة ستة عشر عامًا تنقلت خلالها بين مختلف المعاهد والكليات وأهمها معهد اللغات وكان اسمه حينها المركز الاستشاري للغة الفرنسية .. كنت أحب مهنتي وفي سبيلها اتبعت العديد من دورات التأهيل التربوي مع جامعة ليون 2 التي كانت تقام في حلب .. وفي جامعة ستاندال في غرونوبل … وكنت أظن أني أرضي شغفي …
في نهايات عام 2013 التقيت بشغفي الحقيقي وذلك حين بدأت كأدمن في مجموعة موسوعة الأمثال الشعبية الحلبية … أمضي ساعات من يومي في استحضار واستذكار واستجرار التراث الشفهي من الأعضاء الذين تكاثر عددهم بسرعة وفاق خمسين ألف عضو في فترة وجيزة نسبيًا ..
هذا الشغف لم يكن وليد الفيس بوك .. ولا وليد المصادفة التي جعلتني أدمن في مجموعة فيه ..
عشقت التراث الشفهي العامي من طفولتي من حكايات جدتي ( جدتي الحلبية من أعماق قلبها وحتى أطراف شاشيتها البيضاء التي تعقدها على رأسها ) كانت جدتي رحمها الله موسوعة تراث متنقلة .. كانت تحفظ الكثير من الأغاني والحكايات والقصص … وكانت دائمة الحديث عن طفولتها وعن ظروف الحياة التي مرت بها … ولأنني خشيت على تراثها من الضياع بدات أسجل على دفتر صغير بخطي المتعثر أغاني وحكايات كنت أحب سماعها منها .. ولم أكن قد سمعت حينها بمفردة توثيق ولا علم لي بمعنى تراث شفهي أو تراث غير مادي ..
التوثيق الثاني في حياتي جاء مع اهتمام عمي رحمه الله في جمع أمثال والدته ( الليبية ) جدتي التي تربيت في ظلها وسمعت أمثالها بلهجتها المحببة التي تشابه في جوهرها التجربة الحلبية في الخبرة لكنها تختلف عنها في التصوير .. ففي الأمثال الليبية تكثر الجمال والنخيل وحر الصحراء والأهم تظهر العبودية التي لانعرفها في سورية .. وما أكثر الأمثال عن ( الوصيف والوصيفة ) في الأمثال الليبية .
ثم بدأت بالاطلاع على كتب تهتم بجمع التراث فكان أول كتاب ” أمثال حلب وماردين” للأب يوسف قوشقجي وأنا بالثانوي, وحتى اليوم أحفظ الأمثال كما قرأتها في كتابه حتى أني أذكر موضعها في الصفحة .. ومع بداية دخولي إلى الجامعة أي وأنا دون العشرين من العمر بدات باقتناء موسوعة حلب المقارنة للعلامة خير الدين الأسدي التي تصادف تدقيقها وطباعتها مع سني دراستي الجامعية ..

نعود الى مجموعة موسوعة الأمثال الشعبية الحلبية … انهالت الطلبات على المجموعة … ونشط الجميع في استذكار الأمثال حتى أشبعناها وكررناها … فالتفتنا إلى مواضيع متنوعة شملت جميع جوانب التراث الشفهي ومن ثم امتدت الى التراث غير المادي.
أما أنا فلشغفي المسبق بالتراث .. ولاطلاعي على عمل موسوعي شامل هام عن التراث .. فقد شعرت أني وقعت على كنز .. وناديت بحفظه …فبدأت بوضع قوانين صارمة جدية للمجموعة بشكل لاتحيد منشوراتها عن التراث الموثوق ( وما أكثر التراث غير الموثوق على الفيس بوك) ثم اعتمدت على معلوماتي وجهدي وعشقي للتراث وطفقت أصنف المواضيع ..أنسقها في مجموعات وأحفظ روابطها .

كنت أستجر المواضيع من الأعضاء بنشاطات مختلفة كان أهمها سهرة يوم الأربعاء مرتين في الشهر مرة أخصصها لعادات وتقاليد ومرة لأعلام من حلب .. كنت أعلن عن السهرة قبل أسبوعين بحيث أتيح للمشاركين فرصة البحث وتحضير المواضيع .. وليلة السهرة يساهم الجميع في ذات الموضوع حتى نغنيه من عدة جوانب .. هذه السهرات شملت مختلف النشاطات الاجتماعية ( الحمام – الأسواق – الزواج –الأعمال اليدوية – حلب في أقوال مشاهير العالم .. الخ ) وجمعت الكثير من أعلام حلب ( رجال من حلب في مناصب سياسية – نساء رائدات من حلب – فنانون تشكيليون من حلب – قلاع الطرب الحلبي – دراما وتمثيل .. الخ) أهم مافي هذه السهرات هو النبض الشعبي هو تعليقات الأعضاء من ذكرياتهم وخبرتهم الشخصية ولذلك هي مواد حيوية لايطالها ملل التوثيق الممنهج المدروس .
آخر النشاطات كان في أواسط عام 2020 وقد تجلى في سهرات حول مهنة معينة في حلب بالتشارك مع مجموعة أخرى على الفيس بوك هي مثقفو حلب : حيث قدمت أربعة مواضيع حول مختلف مهن النجارة في حلب وتنجيد المفروشات وقدم الأستاذ جميل استانبولي موضوعين حول صناعة الصابون والحجارة في حلب وقدم الأستاذ باسل حريري موضوعًا حول تنجيد المفارش واللحف .. هذا المشروع اصطدم بعوائق أهمها عدم وفرة الصناعيين الذين قد يحدثونا عن مهنتهم.
وبما أن التوثيق هاجسي فقد أوثق ملفات تنشر في غير مجموعتي .. فعلى سبيل المثال حاليًا أقوم بتوثيق “السيرة الصناعية لمعمل الحاج احمد ططري واولاده – حلب ، وتأسيس معمل تيسمار – طنجة ” حيث يروي الأستاذ عبد العزيز ططري على صفحته الشخصية ذكرياته عن تطور معامل النسيج التي أنشأها والده رحمه الله في أواسط القرن الماضي في حلب .. حيث سيصل بذكرياته الى ما بعد التأميم .. والرحيل من حلب إلى طنجة حيث أعادوا تأسيس صناعة النسيج من جديد ..
هذه الذكريات أنقلها بأمانه مع الصور التي ينشرها في صفحته لأجمع منها ملفًا متكاملًا فيما بعد .

ماذا بعد الجمع ؟

ولليوم مضى علي سبع سنوات وأنا أقبع في أقبية التراث .. أجمع وأصنف.
سبع سنوات وأنا أتعامل مع أحرف ا

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design