“نماذج تحياها لغتنا العربيّة”

 العين-الإمارات العربية المتحدة

د . حسين مصطفى العبو

يحاول هذا المقالُ – على صغر حجمه – الإجابةَ عن سؤال مهمِّ بات ملحًّا في عصرنا الحاضر ، هو : كيف نحمي لغتنا العربية من الضياع ؟ كيف نُعيد إليها رونقها و جمالها و ألقها ؟ يبدو الجواب عن هذا السؤال شائكًا للوهلة الأولى، و لا سيّما أنَّ أبناء هذه اللغة هم أوّلُ من عمل على تهميشها و تصنيفها في مرتبة ثانية أو ثالثة ، من خلال ترديد الدعوات القديمة الجديدة التي تتّهم هذه اللغة بأنّها لم تعد قادرة على مواكبة الثورة التقنية و عصر السرعة المعلوماتيّة . و هذا محض افتراء و تدليس ؛ لأنَّ اللغة العربية استطاعت – عبر قرون – أن تقدّم نفسها بوصفها رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه ؛ فكانت سريعة التأقلم مع مستجدّات أي عصر ، و أثبتت حضورها في أكثر من مجال. ننطلقُ في الإجابة عن هذا السؤال من تشريح الواقع ، وتقديم بعض النماذج التي تحياها لغتنا في المناهج الدراسيّة على سبيل المثال ؛ حيث يجد كثير من الطلاب صعوبةً في النحو ، تجعلهم يتساءلون دائمًا : لماذا ندرس النحو و الإعراب ، و ماذا يفيدنا في حياتنا العمليّة ؟ يحتاج هذا السؤال إلى نوع خاصٍّ من الإجابة بعيدًا عن التنظير و التسطيح. يمكن تقديم النّحو إلى المتلقّي ( الطالب – المتعلّم ) في المرحلة الثانوية و المراحل السابقة لها من خلال التعريف بأساسيات النحو و قواعده ، دون الخوض في بعض الأمور التي تجعل المتلقّي ينفر من هذه المادّة ، مثل الحديث عن إسناد الأفعال إلى الضمائر ، أو التفصيل في تحديد أنواع صاحب الحال … إلخ . و قد يكون من المفيد و الناجع في تقريب النحو إلى المتعلّم سردُ بعض الأمثلة التي تؤكّد أهميّة الإعراب و دوره في إبراز المعنى ، مثل توضيح دور الحركة الإعرابية و التقديم و التأخير في هذه الآية: {{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }} [فاطر:28] ، فلولا الحركة الإعرابية لاختلط الأمر على المتلقّي ، و وقع في حالة من الحيرة التي تأخذه إلى تفسيرٍ لا يُحمدُ عقباه . أو في هذه الآية : {{ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}} [التوبة/ 3 ] . و قد قرأ جماهير القرّاء هذه الكلمة : (ورسولُه) بالضم ، على الابتداء ، وخبره محذوف ، والتقدير: ( وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ ) . و ثمّة أمر آخر أودُّ الإشارة إليه يتعلّق بالوزن الشعري و تدريس العَروض الذي أصبح مهمّشًا في كثير من المناهج في الوطن العربي ؛ ما أثّر سلبًا على الذائقة الشعريّة لدى المتلقِّي الذي بات يتعامل مع النص الشعري بوصفه قالبًا جامدًا ، متناسيًا لذّة الاستماع و بوح الرّوح . لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ اللغة العربية غير قادرة على تسجيل حضورها الفاعل في المتلقّي. و أستذكر – هنا – تجربتي الأولى في تدريس مادّة اللغة العربية ؛ حيث كنت أتحدّثُ اللغة العربية الفصيحة مع طلابي في الحصص ، و كنت أرقبُ – قي الوقت نفسه – ردّاتِ أفعالهم ؛ فوجدت أنَّ نسبة كبيرة من الطلاب كانت تستثقل هذه اللغة ، و تشعر بالضيق من سماعها . لكنَّ هذا الأمر لم يدمْ طويلًا ، حيث بدأ بعضهم يتقبّلُ هذه الفكرة و يفضّل تجربتها ، بعد أن كان ينظر إلى هذه اللغة بنوع من التعالي و التكبّر و السخرية أحيانًا ، و أنّها لغة جامدة مكانها الحقيقي في عيون الشعر الجاهلي و متاحف اللغات القديمة . و لا أنكرُ أنَّ أغلبَ من بدأ يتحدّث هذه اللغة من طلابي كان يعاني من بعض الأخطاء الإملائيّة و الضبط الصحيح ، لكنَّ ذلك لم يمنعه من المتابعة و التلذّذ بجماليات هذه اللغة الساحرة التي انتقلت – بحسب كثير منهم – من مرحلة التندّر و السخرية من هذه اللغة إلى مرحلة الحبّ و التعلّق بها . في النهاية نجد أنَّ الإجابة عن هذا السؤال: كيف نحمي لغتنا العربيّة من الضّياع ؟ موجودة في عقول كثير منّا ؛ علينا – أوّلًا و أخيرًا – أن ننفض غبار الأفكار المترسّبة عن لغتنا ، علينا أن نعتزّ بلغتنا في كلّ محفل دولي ، دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية اللغات الأخرى . علينا أن نثق بأنفسنا من جديد، و أنّنا قادرون على مواكبة مسيرة الحضارة الإنسانية عبر هذه اللغة الخالدة .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design