التشكيلي المغربي عمر كوران : وظيفة الفن التأثير على المجتمع ودفعه إلى التغيير الإيجابي

جورنال الحرية
حاوره / علي صحن عبد العزيز


تبقى أنفاس التشكيلي ( عمر كوران ) تصافح كل المسافات الموجودة في لوحاته ، تأخذه بين ماهية الموضوع وقوة اللون، فنان أستطاع إن يبوح بصمته من خلال فرشاته وعشقه للفن التشكيلي بالخطوط و الألوان ، ربّان يرسو على مرافئ الإتقان والاجادة المطلقة.
(جورنال الحرية) كان لها جولة حوار معه .
* لا شك بأن رهان ولادة اللوحة لا يأتي من فراغ، ما مدى أستلهامك للواقع والبيئة في لوحاتك ؟
– كل عمل فني له شكل وله مضمون، والفنان إبن بيئته يتأثر بمحيطه، فعملي التشكيلي يحمل معاني ومغزى مرتبطة ولها علاقة بالخط والكلمة، إنطلاقا من تجربة شخصية عشتها خلال سنوات الطفولة داخل الكتاب التقليدي ، حيث كان إحتكاكي الأول مع أدوات الكتابة التقليدية أنذاك من أقلام القصب والواح ، بحيث كنا نحضر اللوح بالصلصال ونتعلم طريقة تحضير الصمغ التقليدي، وكيفية تشذيب الأقلام القصب بمساعدة وتحت إشراف الفقيه، لذلك فتجربتي التشكيلية تحكي قصتي مع الكتابة والحرف و الكلمة.. بحيث أنني اعبر عن هذه العناصر بطريق مفككة ومشوهة للدلالة عن أشياء لها علاقة بالهواجس و المواضيع التي تشغلني.
* ما الخصائص الفنية الأولى للمباشرة في أعمالك التشكيلية ؟
– أعتمد على عنصرين أساسيين :الأول مادي، بتحضير الجو والخامات والمواد المراد توضيفها في العمل الفني ، والثاني لا يقل أهمية وهو الجانب الوجداني النفسي الذي أعتبره يساهم بشكل أساسي في نجاح اللوحة ونجاح العملية الإبداعية.
* الفن التشكيلي الامازيغي أثبت قوة حضوره وإنجازاته المتعددة ، ماهو أنطباعك ورؤيتك عنه ؟
– بالنسبة للفن الامازيغي فهو فن عريق ضارب في التاريخ، بحيث أننا نجده في الزرابي والمعمار والجسد ،وهذه كلها نقط مضيئة وقوية في الثقافة والثرات الفني الامازيغي والتي من شأنها إن تساعد الفنان التشكيلي المعاصر والمهتم بهذا الثرات الأصيل من تطوير وإغناء تجربته التشكيلية .
* الحالات الإنسانية تحفر قوة حضورها من خلال مدى تأثيرها لدى المتلقي ، كيف ترى تجاوب المغربي معها ؟
– كل ما يصدر من القلب بصدق وتلقائية يصل إلى قلوب الناس ويتفاعلون معه، وخصوصاً إذا كان هذا العمل الفني غني بشفرات إنسانية، فالأمر يتعلق وينطبق على باقي الأجناس الفنية من شعر ورواية وسينيما وموسيقى ، ولا ينحصر على التشكيل فقط ، فالمتلقي المغربي كباقي الشعوب متذوق وحساس لكل عمل فني إبداعي يحتوي على مقومات النجاح ومصاغ
بلغة فنية محكمة .
* هل تعتقد بأن الأعمال التشكيلية تحتاج إلى كثافة لونية لكي تبقى ، أم تعتمد على شخصية التشكيلي وقوة ثقافته أولاً ؟
– في إعتقادي ان العمل التشكيلي بحاجة إلى شحنات وجدانية وعمل متواصل لإغناء التجربة الفنية، فالكثير يعتقد بأن ولادة العمل التشكيلي يمكن ان يصدر عشوائياً وعن طريق الصدفة ولا دخل للعقل والوعي في إنتاجه، وان بمجرد وضع شخبطات على سند معين للترجمة الأحاسيس الداخلية دون ربطها بأية حقائق بصرية قد ينبثق عمل ناجح، وهذا غير صحيح ، فالعمل التشكيلي بحاجة إلى ممارسة يومية وتجربة طويلة مع الكثير من التركيز وحالة وجدانية خاصة أثناء الفعل الإبداعي للشحنه بإنفعالات وجدانية وأحاسيس يتلقفها المتلقي ويتجاوب معها حسياً نبراساً .
* يقول التشكيلي المغربي الراحل محمد شبعة، بأن معضلة النقد التشكيلي بالمغرب ما تزال مرتبطة بالاجتهادات الفردية ، على ماذا أستند في رأيه هذا ؟
-كنا أظن الفنان الراحل محمد شبعة إرتكز في قولته على عدة أسس و مرتكزات، منها ضعف البرامج والمناهج بالمدارس وضعف التاطير النظري، بالإضافة إلى غياب هذه التخصصات بالدراسات الجامعية الأكاديمية التي من شأنها ان تخرج منضرين ونقاد متخصصين في النقد التشكيلي، كما هو الحال في الغرب، هذا في حد ذاته يترك فراغاً وإلتباساً لدى الكثير من الممارسين والمهتمين بالميدان.
* إلا تعتقد بأن بأن البذور اينعت بما زرعه الساسة في الفن التشكيلي العربي ؟
– لا شك بأن السياسة لها تأثير على الفعل الإبداعي بشكل أو بآخر، وفي نظري إن الفنان بإبداعه ونضاله وذكائه يستطيع أن يؤثر على السياسة وليس العكس، لأن وظيفة الفن هو التأثير في المجتمع ودفعه إلى التغيير الإيجابي الذي من شأنه النهوض البلاد وتطويرها
* لون تكتمل به لوحة عن المرأة، وماذا تمثل في لوحاتك؟
– إبداع الفنان التشكيلي صلته بالحياة وثيقة، فالحياة الإنسانية بمآسيها وإفراحها هي التي تلهم الفنان وتبعث الفن، والفن يرفع مستوى هذه الحياة، والمرأة في حياة الفنان الابداعية ملهمة في الكثير من الأحيان لكونها مصدر الحياة وكونها لها دور أساسي في الأسرة والمجتمع، لذالك فتأثيرها حاضر وقوي بوعي أو بلا وعي الفنان .
* إلى أي مدى يمكننا قراءة حضور التشكيليات المغاربة في نقد الواقع وتشخيصه ؟
الساحة التشكيلية المغربية زاخرة بمبدعات وفنانات تشكيليات مغربيات تركن بصمة واضحة في الحقل التشكيلي المغربي، أذكر على سبيل المثال لا الحصر الفنانة العصامية الراحلة الشعيبية طلال و الفنانة المغربية مريم أمزيان وبالطبع فنانات شابات معاصرات ، فمثلا الفنانة الشعيبية التي مثلت المرأة المغربية أحسن تمثيل بمحافل دولية عالمية، وأعطت صورة فنية جميلة عن المرأة العربية و المغربية الأصيلة من خلال لوحاتها الرائعة التي وثقت بأسلوب مميز كان مرئاتا للأحاسيسها و معاناتها كإمرآة مغربية وعربية .
* ماذا تحتفظ ذاكرتك عن التشكيل العراقي؟
– بالنسبة للتشكيل العراقي فهو يعتبر من أهم ركائز التشكيل العربي، لكونه زاخر بتجارب رائدة للفنانين كبار أعطو الكثير لهذا الفن، أذكر منهم على سبيل المثال الفنان التشكيلي ضياء العزاوي الذي لامس بشكل ملفت وبريشة مبدعة مواضيع محلية وعربية من الزاوية الثقافية والفكرية والإجتماعية ، دون الإنسلاخ عن جدور الهوية العراقية والعربية الأصيلة، هناك كذلك الفنان العراقي الراحل كاظم حيدر الذي ترك رصيداً هائلاً من الأعمال الفنية الراقية والتي من حق العراقيين الأعتزاز بها واللائحة تطول لما أنجبته العراق من فنانيين وفنانات لهن شأن في الساحة التشكيلية العراقية والعربية.
* أبرز مشاركاتك محليا وعربيا ودوليا؟
– قمت ببعض المعارض الفردية بالرباط، آسفي وطنجة، وشاركت في عدة معارض وملتقيات فنية بفاس ومكناس والراشدية ووجدة ، كما أشارك حالياً بمعرض دولي بروما بإيطاليا، بالإضافة إلى معرض جماعي بالصين.
* أقرب المدارس التشكيلية إليك؟
– المدرسة التشكيلية القريبة بالنسبة لي هي ” التعبيرية التجريدية ” لكونها مدرسة تتمتع بالكثير من الحرية بحيث انها كسرت بشكل لافت وبشكل رالديكالي كل قواعد الفن الكلاسيكي وجاءت بنضرة وفلسفة جمالية جديدة، هذا المذهب في الصباغة الذي نشأ بالولايات المتحدة الأمريكية خلال الخمسينيات من القرن الماضي، منهم جاكسون بولوك وروتكو وروشامبرغ وفرانز كلين وآخرين… فأسلوب هذه المدرسة تميزت بقوة الإنفعال والحركة التلقائية مما سماه آخرون بالتجريد الغنائي وذالك بتخليه عن مبدأ المراقبة، وأضن ان أعمالي الفنية متاثرة الى حد بعيد بهاذا الاسلوب.
* حدثنا عن المعارض التشكيلية؟
– بصراحة رصيدي من المعارض لا زال متواضع لأسباب متعددة منها حرصي على إن أقدم للجمهور منتج تشكيلي ناضج أكون راض عنه ومقتنع به، فالعبرة ليست بالكم ولكن بالكيف، فالأمر يتطلب الكثير من الثريت والعمل الجاد للتقديم أعمال في مستوى التطلعات .
* هل تعتقد بأن هوية التشكيل المغربي لم تتأثر بموجات الإحتلال الأجنبي، أم أنها أكتسبت محور آخر للتعبير ؟
– عملية التأثير والتأثر حاضرة بقوة في الإبداع التشكيلي المغربي كما هو في باقي البلدان وذلك بسبب برامج ومناهج المدارس الفنية لمدينة تطوان ومدينة الدار البيضاء ، هذه البرامج والمناهج مستنسخة من الغرب كونها أسست إبان الاستعمار الإسباني والفرنسي للمغرب، بالإضاقة إلى كون معظم رواد الفن التشكيلي درسوا بالخارج ، لكن هذا لم يمنع فنانين مثل الشرقاوي و بلكاهية وآخرين ، من الحفاظ عن هوية الإبداع التشكيلي المغربي، فإذا كان وعاء الهوية هو شخصية قوية تستطيع الَمحافظة عليها ودعمها فلا خوف عنها.
* سيفيا عنك وعن مسيرتك
– عمر كوران فنان تشكيلي مغربي من مواليد سنة 1963ببني ملال وسط المغرب اعيش حاليا بمدينة آسفي، استاذ سابق لمادة الفنون التشكيلية والفنون التطبيقية، شاركت في عدة معارض داخل وخارج المغرب، أرسم بثقنية مختلطة على اسندة متنوعة .
* كلمة أخيرة
– سعيد بالمشاركة معكم في هذا الجسر الثقافي العراقي الجميل الذي يربط الشرق بالغرب والذي يقرب القارئ العربي من التعرف على فنانين ومبدعين ومبدعات من الوطن العربي، واشكركم على هذه الفرصة الطيبة التي اتحتموها لي للتقرب من المهتمين بالشأن التشكيلي العربي والى فرصة أخرى إن شاء الله .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design