أدونيس

جورنال الحرية

كتب/ صبري يوسف _ السويد

من كتاب “تجلِّيات الخيال 2، نصوص أدبيّة مستوحاة من عشرين مبدع ومبدعة!”.
أدونيس قامة أدبيّة نقديّة فكريّة تنويريّة راقية
يحتكم إلى العقل والفكر النّقدي والآراء الخلّاقة
9
أدونيس ظاهرة إبداعيّة فريدة ونادرة من نوعها ولن تتكرَّر في دنيا الشَّرق والعالم العربي بهذه الرُّؤية التّحليليّة الشّموليّة العميقة، وقد تشرَّبَ بثقافة أدبيّة وفكريّة تنويريّة عالية، وضعَ يدَهُ على الجراحِ الغائرة بدقّةٍ عالية، ووجدَ لها الحلول النَّاجعة مقارِناً واقع الحال في الشَّرق العربي بواقع الحال الغربي والعالمي، فقد درسَ بتمعُّنٍ وتمحُّصٍ التّاريخ العربي على امتدادِ قرونٍ من الزَّمان، وحلَّلَ أسباب تخلُّفه وتقهقره، وأوجدَ من خلالِ دراساته وتحاليله الكثير من الأفكارِ والمقترحات الَّتي تساعدُ على التَّخلُّصِ من الواقعِ المزري الّذي يمرُّ فيه المجتمع العربي، مركّزاً على ضرورةِ فصل الدِّين عن الدَّولة، حيثُ أثبتَتْ كلّ التّجارب العالميّة في الشَّرقِ والغربِ وكل جهاتِ الأرضِ أنّ فصلَ الدِّين عن الدَّولة من أولى أولوياتِ بناءِ مجتمع مدني قائم على المؤسّساتِ الدِّيمقراطيّة الّتي تساهم في ترسيخِ العدالةِ والمساواةِ وتُعمِّق الرُّؤية التّنويريّة إلى مساحاتٍ أرحب في شتّى المجالات، مؤكّداً على أنَّ علاقةَ الإنسان المؤمن في أيِّ دينٍ من الأديانِ هي معَ الخالقِ، معَ اللهِ، معَ السَّماءِ، معَ عالمِ الغيبِ، بينما علاقته فيما تخصُّ الأرض والحياة الأرضيّة هي علاقةُ مواطن بقانون وأنظمة ودساتير ومؤسّسات تضمنُ حقوقَ جميع المواطنين، بعيداً عن تدخُّلاتِ الأديانِ كلّ الأديان، وتصبحُ في هذه الحالة علاقةُ المواطن معَ المجتمعِ عبر دستور يحميه ويعطيه حقّه، بغضِّ النّظرِ عن دينِهِ ومذهبه وطائفته.
يعتبرُ أدونيس ومَنْ يحملُ هكذا أفكار تنويريّة، طفرات إبداعيّة خلّاقة تساهمُ إلى حدٍّ كبير في استنهاض البلاد من حالةِ الجمودِ والتّخلّفِ والتَّعصُّبِ الَّذي استشرى فيها، ولكن للأسفِ الشّديدِ، لا تستفيدُ المؤسّسات الثّقافيّة في العالم العربي من هكذا طفرات ورؤية فكريّة خلّاقة، فقد ظلَّتْ تتبنّى رؤية جامدة وأفكار متخلِّفة وهشّة، لا هي دينيّة في المطلق ولا هي ديمقراطيّة، رؤية ضبابيّة سرابيّة قلقة وغير دقيقة في تحقيق أهدافها، لأنَّ تطلّعاتها – رغم ضيق رؤيتها – على الورقِ شيء وعلى أرضِ الواقع شيءٌ آخر، وكل هذا جعلَ هذه البلدان تسيرُ نحوَ المزيدِ من التّيهِ والضّياعِ والصّراعِ والاحترابِ معَ نفسِها كمَنْ يقتلُ نفسَهُ بنفسِهِ، لهذا نرى العالم العربي متخلِّفاً ومخلخلاً وغائصاً في حروبٍ ومتاهاتٍ وصراعاتٍ ووَهْمٍ كبير، وسيبقى متخلّفاً إلى أمدٍ طويل، طالما لا يحملُ رؤية تنويريّة وحداثويّة ونقديّة تغييريّة في برامجِهِ الثّقافيّة والفكريّة والحياتيّة الّتي أكّدَ عليها أدونيس وغيره من المفكِّرين التّنويريِّين، وطالما لا يتبنّى العالم العربي فكرة التّحديث والتّطوير والتّنوير ولا يأخذ بعينِ الاعتبارِ آراء المبدعين والمفكِّرين الكبار، أمثال أدونيس وغيره من المفكِّرين الّذين يحملون رؤية نقديّة تحليليّة عميقة في تغيير البلاد والنّهوض بها إلى مصاف الدُّول الرَّاقية، لهذا ظلَّ وسيظلُّ الفكر السَّائد في العالمِ العربي لدى الأغلبيّة رؤية جامدة ومنغلقة وغير مستنيرة. والغريب بالأمر لم يتّعظ العالم العربي ممّا مرَّ به الغرب من حروبٍ عالميّة وصراعاتٍ كارثيّة مميتة، ولم يأخذ ما قاله أدونيس وما قاله المفكِّرون والمبدعون الكبار في دنيا الشَّرق ودنيا الغرب بجدّيّة ولا بأيِّ اهتمام، لهذا نرى كيفَ ينحدرُ العالم العربي عاماً بعدَ عامٍ نحوَ الدّرك الأسفل، لأنّهُ يعتمدُ على رؤيةٍ جامدة، تزدادُ انزلاقاً نحوَ أسفلِ السَّافلين، رؤيةٍ متخلّفةٍ وغير قادرة على تلمُّسِ وتبنِّي الأفكار الخلّاقة. وأرى أنَّ أدونيس ومَن يحملُ رؤية أدونيسيّة ويتبنّى الأفكار المجنّحة نحوَ التَّنويرِ والحداثةِ هم مَن ينقذون الشَّرق والعالم العربي ومَن يعيشُ في كنفِهم من كلِّ هذا السَّوادِ القاتم والتّخلُّف المريع الّذي بدأ يهمينُ على أغلبِ مفاصلِ الحياةِ، واستشرى فيه فتيل التّخلّفِ والصِّراعاتِ المريرةِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وكل هذا قادهم إلى طُرقٍ مسدودة نحوَ أعماقِ متاهاتِ الجحيم. هل وجدتم جحيماً في العالمِ أكثر ممّا نراه الآن في دنيا الشَّرقِ الغائصِ في حروبٍ وصراعاتٍ مجنونة بلا نهاية، لما لديهم من مواقف هزيلة في صراعاتِهم المريرة، ويبتعدونَ عن تبنّي رؤية خلّاقة، وتنويريّة، وحداثويّة، رغم كل ما يمتلكُ الشَّرقُ من إمكانيّاتٍ نفطيّة وغازيّة وبشريّة وأرضٍ خصبةٍ وأنهارٍ ومياهٍ ومعادن وطاقات كبيرة من المواردِ والخيراتِ؟ ومن المؤلم والمؤسف جدَّاً أن تتوفَّرَ كل هذه الإمكانيّات الكبيرة، ولا يستفيدُ منها المواطن ولا تستفيدُ منها البلاد العربيّة، بل تزِجُّ سياسات هذه البلاد الكثير من هذه الطّاقات والإمكانيّات في حروبٍ طائشة ومدمِّرة بشكلٍ مريع، وتحوِّل هذه النِّعمة إلى نقمةٍ وكابوسٍ فوقَ رقابِ البلاد.
أندهشُ جدَّاً، كيفَ لا يستغلُّ المجتمع الشَّرقي والعربي فكر أدونيس وآفاق من يشبه أدونيس في الحداثةِ والتّنويرِ، ولا يتبنّى الفكر الخلّاق، لبناءِ مجتمع قائم على الحرّيّة والعدالة والمساواة، تتساوى فيه المرأة معَ الرّجل، ويبنيان معاً حضارة الشَّرق الّتي كانت مهدَ الحضارات ومهدَالحرفِ الأوَّل. لقد جذبني فكر أدونيس منذ أن قرأتُ تحاليله النّقديّة في كتابِهِ الرَّصينِ الثَّابتِ والمتحوِّلِ، وقرأتُ أشعاره وأفكاره وآفاقه الرّحبة، واستمعتُ إلى أغلبِ اللِّقاءاتِ الّتي أُجريَتْ معَهُ عبرَ اللّقاءاتِ التِّلفزيونيّة والنَّدوات، وتمَّ بثّها عبر الفضائيّات ومحفوظة في الشّبكة، وأفادني كثيراً ما يقدّمه من آراء نقديّة تحليليّة راقية، وقد حرَّضني أدونيس على التّمرّدِ حتَّى على ذاتي، ولهذا وجدتني – وهذا من طبعي أصلاً – أجنح يوماً بعدَ يومٍ نحوَ تبنّي الفكر التّنويري والعلمي والحداثوي، لأنّه هو الفكر الخلّاق الّذي يجعلنا في حالة تطوُّر دائم، وقد اِصْطَفْتُ رؤاي هذه منذ أن تخصَّصْتُ في الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة، ووجدْتُ أنَّ الفلسفة والعلوم الإنسانيّة هي الّتي تبني المجتمع الإنساني وليس الأديان والرُّوحانيّات، لأنَّ علاقة الإنسان عبر الأديان هي مع السَّماء والله والرّوحانيات، لهذا وجدتني متناغماً معَ طروحاتِ أدونيس وكل المفكِّرين العلمانيِّين في الشَّرقِ والغربِ، واستغربُ جدَّاً عندما أرى بعض الكتّاب والنّقاد يقفون ضدّ طروحات أدونيس، ويعاتبونه أو يخالفونه في الرّأي بحدّيّة وسلبيّة ممجوجة وغير منطقيّة حولَ بعضِ أو أغلبِ طروحاتِهِ، ورأيتُهُ عبر الحوارات واللِّقاءات الّتي أُجْرِيَتْ معه، منفتحاً على الآخر ويتقبّلُ النّقد برحابةِ صدر ويعتبرُ الاختلاف في الرَّأي ظاهرة صحّيّة وضروريّة، وينتظرُ مَنْ يختلفُ معَهُ في الرّأي كي يتناقشَ معه ليصلا معاً إلى رؤية متقدّمة عن رؤيةِ أدونيس نفسه، فأنا أؤمن بأنَّ الحياةَ والفكرَ الإنساني في حالةِ تطوُّرٍ دائم ولا فكر ثابت وغير متحوّل، دائماً يكتشفُ الإنسانُ أفكاراً جديدة ومتطوّرة إلى ما لا نهاية، وحالما يتوقّفُ المرءُ عندَ خطٍّ معيَّنٍ وفكرٍ معيّنٍ يصبحُ جامداً وغير قابل للتطوير، لهذا يتوجّب أن نُخضعَ كلّ الأفكار للنقاشِ والحوارِ والتّحليل، لأنَّ هذه التّحاليل والنّقاشات والحوارات الرّصينة المبنيّة على المنطقِ العلمي والعدالة والمساواة والدِّيمقراطيّة ستصبُّ في أرقى ما يمكنُ أن يصلَ إليه الفكر الإنساني الخلَّاق، لا أن يأتي ناقدٌ من هنا وكاتبٌ من هناك ويبقى ضدّ ما يطرحه أدونيس من دون أي وجه حق، ومن دون أي تعليل أو تبرير أو تحليل دقيق ومقنع، لمجرّد أنّ أفكار أدونيس لا تعجب هذا أو ذاك، ولستُ هنا في وارد أن يعجبنا أدونيس أو غيره من المبدعين والنّقاد والمفكِّرين، بقدر ما أنا بصددِ محاججة أفكار أدونيس نفسه، نناقشه الحجّة بالحجّة، بطريقة علميّة حضاريّة إقناعيّة، بحيث أنْ يَخضعَ رأي أدونيس نفسه ورأي مَن يخالفه إلى التّصويبِ الدّقيقِ والتّحليلِ العميقِ، على أن نطرح أنفسنا أمام حالة مَن يُقنعنا أنّه هو الَّذي على صواب، فما يطرحُهُ أدونيس هو رأي مفتوح للنقاش والنّقد والتّحليل، وهو في طروحاتِهِ يطالبُ مَن يستطيعُ اقناعه على أنّهُ على خطأ فليتفضّل بمقترحاته وتحاليله، لأنّ أدونيس نفسه لا يعتبرُ كلامه وطرحه وفكره نهائيّاً وقاطعاً، بل يعتبرُ نفسه أنّه يجتهد ويقدِّمُ وجهات نظر نقديّة وتحليليّة لما يراه، وأرى أنَّ آفاق رؤاه تصبُّ في استنهاض البلاد، وانتشال البلاد من الحالة المزرية الّتي يمرُّ بها عالمنا العربي الانغلاقي، لأنّه يمتلك فكراً حرّاً ومستقلّاً ورؤيته ناجمة عن تحليل دقيق وتشخيص عميق لما مرَّ به العرب من حالة تخلّف وتقهقر، والواقع العربي يؤكّد دقّة تحاليله ورؤاه في كلّ ما قاله وحلّله، فيما يخص نقد الفكر العربي، والحالة الرَّاهنة، ومنذ زمن بعيد وضع أدونيس يده على الجراح الّتي يعاني منها الواقع العربي والجمود الفكري الّذي نراه مسلَّطاً على السّاحة دون تحليلٍ عميق ودون إخضاعه للنقدِ الرّصين، وجاء أدونيس وغيره من المفكِّرين ووضعوا مشارطهم على التَّخلّفِ الّذي تعاني منه البلاد، كي يستأصلوا كل ما يعيق تقدُّم البلاد، سيراً نحوَ مرافئ الحضارة، كي يعيدوا لهذهِ البلاد مجدها التّليد، بلاد الأبجديّة الأولى في العالم.
أدونيس قامة أدبيّة نقديّة فكريّة تحديثيّة راقية إلى أقصى منارات الرّقي، يحتكم إلى العقل والفكر النّقدي والآراء الخلّاقة، بعيداً عن أيّة تعصُّبات دينيّة مذهبيّة قوميّة، مركّزاً على الإنسان بكلِّ ما يحملُ من آفاقٍ حضاريّة وتنويريّة راقية، وهو قامة إبداعيّة شاهقة كجبالِ الحبِّ والفرحِ والخيرِ والجمالِ، يتهاطلُ بأفكارهِ علينا مثلَ غيمةٍ حُبلى بالمطر، شاعر ومفكِّر راجح الذّهن وعميق الرُّؤية بتحاليله وآفاقِ رؤاه وحرفه ونقده، لما يمتلكُ من بصيرة نافذة وناقدة لقراءة التّراث العربي وتقويمه ورسم ملامح المستقبل بشكلٍ أفضل ممّا يعاني منه الواقع العربي من تناقضاتٍ في الرُّؤية ومن تشرذمٍ وتصارعٍ وانحدارٍ، ولا بدَّ من تجاوز مآسي وصراعات وخلافات العالم العربي من خلالِ إيجاد رؤية جديدة تناسب تطوّرات العصر، لأنَّ التّغيير والتّنوير هو أساس تقدُّم المجتمع البشري، لذا نرى أدونيس يحلّق فوقَ منائر التَّطوير وأهازيج اللّيل الحنون، متناغماً ومنساباً مع هدهداتِ نسيم الصَّباح كأنّه صديق الطّبيعة والبحر والغربة والشّعر والمرأة والأعشاب البرّيّة والأهليّة. ينسجُ حرفه من بؤرةِ العقلِ والحكمةِ والنَّقدِ البنّاءِ، منطلقاً من منطقِ العلمِ المستندِ على تطويرِ كل مناحي الحياةِ، من خلالِ تطلُّعاتِ آفاقِهِ الخلّاقة. يُشبهُ أدونيس شجرة وارفة الاخضرار والظَّلال، يغدقُ عطاياه الطّيّبة فوقَ الجميعِ كي تبقى رؤاه مرجعاً تنويريّاً لهذهِ الأجيال والأجيال اللّاحقة قبلَ أن يرحلَ عالياً نحوَ قبّةِ السّماء!
أتساءَلُ بكلِّ آهاتِ السُّؤال، إلى متى سيتجاهل العالم العربي تطلُّعات وآفاق المفكِّرين والمفكِّرات والمبدعين والمبدعات ويظلُّ الواقع العربي وما يجاوره وما فيه من إثنيات وقوميات في حالةِ تخلْخُلٍ وانحدارٍ كأنّنا نعيشُ خارجَ الزّمن أو نعيشُ في عصرٍ أشبهُ ما يكونُ بعصرِ الظّلمات، في عصرٍ أقرب من الخرافاتِ منه إلى أيِّ شيء آخر!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design