نحات الجدل

جورنال الحرية-العراق

كتب :  الدكتور محمود شوبر

ما فتأ النحت العراقي منقسما على نفسه بين تيارين مهمين ، تيار ينتمي الى الاصول الريادية التي ما أن تدخل تحت وطأتها جعلتك مأسوراً الى اسماء بعينها من اساتيذ هذا الجنس الابداعي، وبالتالي تكون عملية الانتاج خالية من روح الابداع لهيمنة المرجع الاول وضلاله الثقيلة على صياغات بناء العمل النحتي، بحيث يكون المتلقي في حيرة من امره بخصوص عائدية التمثال هل هي للاصيل ام للمقلد،علماً ان الاصيل (العراقي) كان قد (استورد) تجربته ان جاز التعبير من مدرسة سبقت ، ولذا نرى مثلا سطوة (جاكومتي) حاضرة وبقوة الى الان في منحوتات كثيرة بالنحت العراقي وان اختلفت الحقب الزمنية بالانتاج وكذلك الاسماء المنتجة لهذه الاعمال.

اما القسم الثاني فهي تلك المحاولات التي تروم الاحتلاف والمشاكسة او بالاصح معاكسة المطروح بصيغ اخرى تكون وطأة التاثير مموهة الملامح ومضببة تكاد تشي عن طموح كبير بالخلاص من الشرنقة الاولى التي اشرنا اليها.
ولكن تبقى هذه المحاولات محدودة وخجولة تحتاج الى بلاغة التعبير والجرأة في التعبير عن نفسها بصورة اكثر ثباتاً وقوة.

ولكن مثلما يشاع بكل مجالات الحياة العلمية والعملية (ان لكل قاعدة شواذ) وهكذا تلوح بالافق تجارب متفردة تكاد لاتنتمي الا لذاتها التي (هادنت) الجمال ولكنها لم تهادن الانصياع لقولبته بالاطر التقليدية او الموجودة كواقع حال. وهذا مانتلمسه في منجز النحات العراقي المقيم بالدوحة لفترة جاوزت العشرين عام( احمد البحراني) هذا (الفتى) القادم من اواسط الفرات ومن (طويريج) تحديدا، ليحمل معه (مغذيين) مهمين الاول تاريخي والثاني ديني عقائدي، يلتقيان ك(موروث) لينتج عنهم فكر ظاهره الجمال وباطنه الفكرة.

هنا خلق البحراني مساحة انبثق عنها التميز الذي جعله (هدفا) للامثلة، وهو اليوم مثلي الذي اسوق من خلاله الاراء للوصول الى منتهى القول.

درس البحراني النحت في بواكير حياته على (جرف شط الهندية) الذي كان مع اولاد حارته يدخلوه في الظهيرة للسباحة واللعب الذي غالبا مايكون هذا (الجرف) متنفسهم الوحيد في مدينتهم الصغيرة.

وهنا كانت اول (صالات عرضه) حيث يصنع من غرين الطين الحري الذي يتكون في متن النهر (دمى) لاشخاص ومشاهد تعلق في ذاكرته محاولا تشخيصها قدر المستطاع و ماتيسر له من موهبة كانت لافتة الانتباه لاقرانه الذين كان هاجسهم السباحة ومتابعة مايفعله صاحبهم من هذه الدمى التي سرعان مايبتلعها ماء النهر اثناء عملية (المد) التي تعقب (الجزر).

كذلك كانت دهشته بجاره الرجل (الاخرس) (صانع الطائرات الورقية) الذي كان يرى ابتسامته التي تدل على متعة الانجاز بعد كل طائرة يصنعها من (جريد) سعف النخلة التي تفصل بين بيتيهما. فيقول عنه دائماً(انه كان معلمي الاول باشكاله التي يصنعها بعناية ودقة)

بعد دراسته النحت على يد اساتذة كبار في معهد الفنون الجميلة /بغداد امثال (عبد الرحيم الوكيل ، سهيل الهنداوي، خالد عزت) بدأ البحراني يرى ان الذي تعلمه هو عتبة المعرفة التي لابد ان يبدأ منها ، ولكنها لم تكن ترضي سعيه نحو الاختلاف والتقصي عن ماهو جديد.

بعد هجرته الاختيارية من العراق وترحاله في اكثر من مكان كانت (الدوحة) ملاذه الذي فتح له ذراعيه ليحتفى بهذا النحات القادم من ارض (بابل) يحمل معه كل منحوتات سومر وآشور وأكد ،

اكتسب نجوميته هناك لأنه احس بالحرية التي كان يبحث عنها والتي يرى هي اجمل مايتوج نتاجه الذي يأتي دون ضواغط او غايات سوى تلك الدوافع الذاتية التي رشحت على كل نتاجه (المشاكس).

المخدة هو عنوان معرضه القادم في صالة المرخية بالدوحة بتاريخ 2020/10/6 ، وهذا المعرض استند كله الى مفردة تكاد تكون اكثر الاشياء اللصيقة بالانسان، بل هي ابتكار (انساني) بحت ، اذ ان الخلائق الاخرى ليس لها صلة تربطها بهذا (الاكتشاف) فهي تنام دون وسائد تضع راسها عليه،

علاقة الرأس بالجسد تكاد تشبه القيمة الثاوية لعلاقته بالمخدة، فهو في حله وترحاله يستند على الجسد وفي سكونه وتفكيره يستند اليها.

من هنا اراد البحراني ان يستدعي كل الاسرار التي استودعها هذا الرأس على مسنده الاثيري.

الذي نراه بيت وتارة نراه وطن واخرى مبنى قديم. وهكذا من صورة الى اخرى (تدرج )البحراني نحو القمة بهدوء، لعلمه ان كم الضجيج الذي سوف يعلوا هنا وهناك سيحسب له لا عليه.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design