حوار مع “سعدي الشيرازي”

جورنال الحرية

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

– السلام عليك ورحمة الله وبركاته.. أيها الشاعر العظيم… نقف أمام مزارك في (شيراز) بإجلال واحترام، لقد طبقت سمعتك الآفاق.. ولازالت أصداء شعرك تتردد في العالم بعد سبعة قرون من رحيلك عن هذه الدنيا… ولقد أطلق عليك الناس تسمية (شاعر الإنسانية) فما سبب هذه التسمية؟ وهل لك شعر يدل على ذلك؟

سعدي:

بنو آدمٍ جسدٌ واحدُ
إلى عنصر واحد عائدُ
إذا مسّ عضواً أليم السقامْ
فسائر أعضائه لا تنامْ
إذا أنت للناس لم تألمِ
فكيف تسميتَ بالآدمي

– نحن نعلم أنك أحد الرموز الإنسانية في المحبة والرحمة والزهد في الحياة.. ونعلم أنك عشت قرابة قرن كامل هو القرن السابع للهجرة.. وتنقلت في مدن العالم الإسلامي في ذلك الوقت انطلاقاً من مدينتك الجميلة (شيراز) وحللت في كثير من المدن وتحدثت عنها في شعرك. ونعلم أن اسمك هو “مشرف الدين”.. فلماذا حملت اسم “سعدي”

“سعدي”: قصدتُ بغداد (أم الدنيا) في عصرها لاستكمال تعليمي، وتتلمذت على مشايخ كثر منهم “ابن الجوزي” و”الشهاب السهروردي”. وكانت بغداد زينة الدنيا ومقصد العلماء وواسطة العقد في المدن والأقطار. وأذكر من طرائف الدراسة في أحد دروس النحو أن الشيخ كان يشرح لنا قاعدة، ويستعمل كثيراً جملة (ضرب زيدٌ عمراً) فقلت له يوماً: يا شيخنا لقد تصالحت مملكة خوارزم مع جيرانها.. أما آن لزيد وعمرو أن يتصالحا. وهما يتضاربان منذ مئات السنين.

ومن سوء حظي وطالعي أنني عشت أيام سقوط (بغداد) العظيمة في يد المغول المتوحشين الذين فتكوا بكل أشكال الحياة، ودمروا كل شيء في بغداد حتى الكتب والمعالم التاريخية.

– وهل قلت شعراً في سقوط بغداد في ذلك الوقت؟
“سعدي”: نعم.. لقد كتبت الكثير بالعربية والفارسية. وقصيدتي العربية في رثاء (بغداد) مطلعها:

حبست بجفنيّ المدامع لا تجري
فلما طغى الماء استطال على السُّكْرِ

وكتبت بالفارسية قصيدة طويلة هذا جزء من معانيها:

حقّ للسماء أن تمطر الأرض دما
على تلك الأرض، حيث كان السلاطين يضعون الجبين
ماء دجلة دمٌ منذ الآن، كلما انساب في منحدره
جعل من نخيل البطحاء عجيناً من دم

– لو تعلم يا “سعدي” كم من المرات استبيحت (بغداد)… وكم جاءها أمثال “هولاكو”.. وكأن قدرها أن يقصدها مجرمو الإنسانية، وهي التي قدمت للإنسانية كنوز العلم والحضارة والمعرفة.

ولكن إلى أين اتجهت بعد مغادرتك بغداد؟
“سعدي”: عدت إلى (شيراز).. ولكنني خلال عمري الذي قارب مائة عام زرت أكثر المدن، ولي ذكريات في (بلاد الشام) عزيزة إلى نفسي رغم بعض ما يشوبها من غصص…

ولقد تحدثتُ في كتابي (روضة الورد) عن بعض تلك الحكايات، ومن ذلك أنني غادرت (دمشق) يوماً لملالة بدت لي من بعض الأصدقاء، وهمت على وجهي في طريق القدس أستأنس بالحيوانات، فوقعت أسيراً بيد الفرنجة الذبن استعبدوني وسخروني في أعمال نقل الطين والحجارة.

وذات يوم مرّ بي واحد من رؤساء (حلب) لي به سابق معرفة، فأشفق على حالي التعسة وخلصني من القيد بعشرة دنانير، وأخذني إلى (حلب)، وهناك زوجني ابنته بصداق قدره مائة دينار.

ولكن هذه الزوجة كانت مشاكسة طويلة اللسان نغّصت عليّ عيشي. وفي كل مرة كانت تقول لي: لقد خلّصك أبي من قيد الفرنج بعشرة دنانير… فقلت لها: هذا صحيح ولكن أباك جعلني أسيراً في قيدك بمائة دينار.

– ولكن يا شيخ “سعدي”… لا تتصور أن كل نساء (حلب) مثل هذه المرأة المشاكسة… لقد جاء إلى (حلب) في عصرك الشاعر الأندلسي “ابن جابر” وأقام فيها، وحينما سئل يوماً عن المرأة الحلبية قال:

تبسّمتْ فتباكى الدرُّ من وَجَل
واقبلت فتثنى الغصن ذا عجبِ
فقلت: من هذه الحسناء فاتنة
قالوا: كذلك شأن الغيد في حلبِ
……………

ومع ذلك، فهلاّ حدثتنا عن ذكريات أخرى لك في بلاد الشام؟
“سعدي”: إنها ذكريات كثيرة… أذكر أنني كنت يوماً في مجلس أحد القضاة فجاءه شخصان يدّعي أحدهما أن الآخر سرق منه مالاً، فالتفت القاضي فوراً إلى المتهم وسأله: هل سرقت شيئاً؟ فقال: لا. فقال القاضي: أقسم على ذلك، فأقسم الرجل وخرج فرحاً، وقال القاضي: أنت بريء فالتفتُ إلى ذلك القاضي وقلت له: لقد تسرعت في الحكم. ولم تستمع إلى بيّنة المدعي، ألم تسمع قول القائل:

ولا تقبل لسارقة يمينا
ولو حلفت بربّ العالمينا

فأطرق القاضي برهة، وقال: أعيدوا الرجلين. ثم مال علي يسألني: في أية سورة من القرآن هذا القول؟ فقلت له: أيها القاضي، هذا القول ليس آية، إنه بيت شعر على وزن (ألا هبّي بصحنك فأصبحينا) فهزّ القاضي رأسه. وقال: هذا عجيب… لقد ظننت ذلك آية في سورة {إنا فتحنا لك فتخاً مبينا}.

– وهل تقصد بحكايتك هذه يا شيخ “سعدي” أن بعض القضاة لم يكونوا أهلاً لمناصبهم، وأنهم جاهلون.. والجهل يقود إلى الخطأ والفساد… نسأل الله الرحمة.

والآن أيها الشيخ “مشرف الدين”… لقد عدت إلى (شيراز) ولزمتها حتى وفاتك… وهناك تفرغت للتأليف وحياة التصوف، وأهديت كتبك للسلطان “سعد بن زنكي” الأتابك حاكم (شيراز)، فلزمك منه لقب “سعدي”.

لقد جمع المهتمون كل كتاباتك في كتاب سمّوه (كليات سعدي) وفيه شعرك ونثرك وحكاياتك… وأقامت (شيراز) لك مزاراً باذخاً يليق بمكانتك الأدبية والإنسانية.

بقي لنا أن تختار لنا بعض الأقوال الأثيرة لديك لعلنا نستفيد منها في طوفان الأحداث التي نعيشها.

“سعدي”:
(يحكى أن أحد ملوك العجم قد مدّ يده إلى أموال الرعية)
(وعاملهم بالجور والظلم والأذية، فأخذ الناس في الهرب)
(ونقصت الأعمال، وفرغت الخزانة من الأموال، وأخذ الأعداء)
(يستهينون بالمملكة ويهددونها من كل جانب)
(واستدعى الملك وزيره وسأله عن حلّ للمشكلة… فقال له الوزير: أما سمعت يا مولاي ما ورد في كتاب (الشاهنامه) عن مملكة الضحّاك التي زالت بسبب الظلم والفساد. يجب على الملك يا مولاي أن يجمع حوله رعيته بالعدل والرحمة والأمان حتى يقوى بهم. وإذا اجتمع حوله بعض الأعوان بسبب مطامعهم فإنهم يتخلون عنه في أية لحظة إذا شعروا بالخطر)

– رحمك الله أيها الشيخ “مشرف الدين سعدي الشيرازي”، وكم الإنسانية بحاجة اليوم إلى آفاقك المتسامحة ومثلك العليا.
*****

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design