الصحافة الدولية ووظائفها

جورنال الحرية

كتبها: أ.د. محمد البخاري

تعمل المؤسسات الصحفية على نشر المبادئ والأفكار والمواقف والأخبار عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية المختلفة بغرض الإقناع والتأثير على الأفراد والجماعات داخل المجتمع. وعندما تخرج هذه المؤسسات عن نطاق المحلية وتجتاز وسائل إعلامها الجماهيرية الحدود الجغرافية والسياسية للدولة، لنقل تلك المبادئ والأفكار والمواقف والأخبار لمواطني دول أخرى، لخلق نوع من الحوار الثقافي معها، متجاوزة الحواجز اللغوية، تأخذ هذه المؤسسات الصحفية ووسائلها الإعلامية صفة الإعلام الدولي.
والإعلام االدولي جزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية للدول المستقلة، ووسيلة فاعلة من الوسائل التي تحقق بعض أهداف السياسة الخارجية لكل دولة داخل المجتمع الدولي. وتخدم من خلالها المصلحة الوطنية العليا للدولة، وفقاً للحجم والوزن والدور الذي تتمتع به هذه الدولة في المعادلات الدولية، وتأثيرها وتأثرها بالأحداث العالمية المستجدة كل يوم. خاصة عند نشوب أزمات سياسية أو إقتصادية أو عسكرية أو إضطرابات إجتماعية تطال تلك الدول، أو الدول المجاورة لها. أو تطال مناطق المصالح الحيوية للدول الكبرى في انحاء العالم. أو في حال حدوث كوارث طبيعية وأوبئة، أو أخطار تهدد البيئة والحياة على كوكب الأرض. وللإعلام الدولي دوافع متعددة، تعتمد على المصالح السياسية، والإقتصادية، والعسكرية، والإجتماعية، والثقافية، والإنسانية، بما يتفق والسياسة الخارجية للدولة، وينبع من المصالح الوطنية العليا للدولة، وتعمل من خلال هذا المنظور على تعزيز التفاهم الدولي والحوار بين الأمم، الذي أدى إلى خلق تصور واضح للدول بعضها عن بعض، مفاده التحول من النظام الثقافي القومي التقليدي المغلق، إلى نظام ثقافي منفتح يعزز التفاهم الدولي ويعمل على تطويره.
وكان لوسائل الإعلام الجماهيرية دوراً أساسياً في هذا التحول بعد التطور الهائل في تقنياتها خلال القرن الحالي. ساعدت من خلاله على إحداث تغيير ثقافي واجتماعي واضح، رغم تضارب المصالح الإقتصادية والسياسية والصراعات الإيديولوجية المؤثرة في القرار السياسي اللازم لأي تقارب أو حوار دولي.
وظائف الصحافة الدولية
من الأمور التي تميز البشر عن غيرهم من المخلوقات الحية أنهم قادرون على الإعلام والإتصال فيما بينهم، فالإنسان كان في حاجة دائماً إلى وسيلة تراقب له الظروف المحيطة به، وتحيطه علماً بالأخطار المحدقة به أو الفرص المتاحة له، وسيلة تقوم بنشر الآراء والحقائق وتساعد الجماعة على إتخاذ القرارات، وسيلة تقوم بنشر القرارات التي تتخذها الجماعة على نطاق واسع، وسيلة تقوم بنقل حكمة الأجيال السابقة والتطلعات السائدة في المجتمع إلى الأجيال الناشئة، ووسيلة ترفه عن الناس وتنسيهم المعاناة والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
وقد عهدت القبائل البدائية بتلك المهام إلى الأفراد. فقام بعضهم بوظيفة الحراس الذين يحيطون القبيلة علماً بالأخطار المحيطة والفرص المتاحة، فقد تقترب قبيلة معادية من القبيلة الأولى، وهذا يتطلب إستعداداً للدفاع عن الأرواح والأملاك، أو قد يقترب منها قطيع من الحيوانات التي يمكن أن يصطادوا بعضها للطعام والزاد، فيكون هؤلاء الأفراد، القائمون برصد الحياة من حول الجماعة أشبه بمراكز الإنذار المبكر، في حالتي الخطر والأمان. كذلك عهدت القبيلة إلى بعض الأفراد ” مجلس القبيلة ” بسلطة إتخاذ القرارات عن إحتياجات وأهداف وسياسات القبيلة الداخلية والخارجية، والتأكد من أن تلك القرارات ستنفذ.
وكان لابد من وجود مراسلين يحملون الأوامر والمعلومات من مجلس القبيلة إلى أفراد القبيلة، أو نقل الرسائل والمعلومات إلى القبائل المجاورة. وكذلك كفلت القبيلة لنفسها وسيلة تساعدها على الإحتفاظ بحكمتها وتراثها الثقافي للأجيال القادمة، ووسيلة وأسلوباً لنقل ذلك التراث الثقافي والحكمة إلى الجيل الجديد، فقام الآباء والشيوخ بتعليم الجيل الجديد، أو الأعضاء الجدد في القبيلة عادات القبيلة وتقاليدها. وعلمت الأمهات بناتهن كيف يعددن الطعام، ويحكن الملابس، كما علم الآباء أبناءهم فنون الحرب والصيد والقنص. وتولى وظيفة الترفيه الرواة الذين يحكون الحكايا والقصص عن أمجاد الآباء والأجداد، وماسلف من تاريخ القبيلة، والمغنون الذين ينشدون الأغاني المحببة، والراقصون الذين كانوا يؤدون الرقصات الدينية والفلكلورية في المناسبات المختلفة.
وبالطبع لم تكن تلك هي جميع مهام الإعلام والإتصال في القبيلة القديمة، ولكنها كانت أهمها. ومن الغريب أن تلك المهام هي نفس مهام الإعلام والإتصال في المجتمع الحديث، ولكن بفارق أن تلك المهام تؤدى اليوم بشكل جماهيري واسع جداً، وبأساليب وتقنيات حديثة متطورة بعيدة المدى أحاطت بالكرة الأرضية برمتها وتعدتها إلى الفضاء الكوني. ومع ذلك فنحن مازلنا في حاجة إلى معلومات عن الظروف المحيطة بنا، وتصلنا هذه المعلومات وبسرعة فائقة ودقة كبيرة عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية التي باتت تستخدم أحدث وسائل الإتصال المزودة بأحدث المعدات الإلكترونية والتجهيزات المتطورة باهظة التكاليف، تلك المعلومات التي تساعدنا على إتخاذ القرارات وتنفيذها في الوقت المناسب.
أي أن مهام الإعلام والإتصال التي وجدت في المجتمعات القديمة هي نفسها الموجودة من حيث المبدأ في المجتمعات الحديثة، والفارق الوحيد أنها أصبحت متعددة ومتشعبة وأكثر دقة اليوم بفضل وسائل الإتصال الحديثة المتطورة التي لم تكن معروفة من قبل. وأصبحت الدولة حالياً أكثر من ذي قبل تشارك عن طريق ممثليها في التأثير على مجرى الحياة الإجتماعية في الداخل والخارج من خلال سياساتها الداخلية والخارجية مستعينة بوسائل الإعلام الجماهيرية، وأصبحت المصالح الوطنية العليا للدولة أكثر تأثيراً في عملية إتخاذ القرارات على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ودخلت وسائل الإعلام الجماهيرية القرية والمدينة والتجمعات السكانية أينما كانت، وأصبحت بذلك نظاماً مفتوحاً أمام قوى التغيير التي تأتي من الداخل والخارج ، ومعنى هذا أن الوظائف القديمة للإعلام إختلفت في درجتها وحجمها فقط وليس في نوعها. ولكن لماذا كل هذا الإهتمام بوسائل الإعلام الجماهيرية؟
والجواب: أن تلك الوسائل أصبحت تصل إلى جمهور واسع غفير. ووسائل الإعلام والإتصال الجماهيرية التي كانت يوماً ما تصل إلى جمهور محدود وبتأثير محدود، أصبحت اليوم تصل إلى سكان العالم أجمع تقريباً، وتؤثر على آراء الناس وتصرفاتهم وأسلوب حياتهم. فالصحيفة والمجلة والكتاب الذي كان يقرؤه في الماضي عدد محدود من الأفراد، يقرؤه اليوم ملايين البشر، مطبوعاً أم منقولاً عبر البريد الإلكتروني وشبكات الكمبيوتر المتطورة. والبرنامج الإذاعي الذي كان يسمعه الناس في دائرة محدودة أصبحت تسمعه الملايين من البشر في مناطق متباعدة من العالم، والبرنامج التلفزيوني الذي كان حكراً على منطقة جغرافية محدودة أصبح اليوم في متناول المشاهد عبر قارات العالم. والبريد الإلكتروني والفاكس والتلكس حلت مكان المبرقات التلغرافية القديمة، مما جعل الناس يؤمنون بأن تلك الوسائل قادرة على التأثير على المجتمع وتغييره بشكل أساسي ليس على الصعيد المحلي وحسب، بل وعلى صعيد العالم برمته. وبرز كإعلام دولي له مكانته وتأثيره ووظائفه.
وكما كان للإعلام الدولي دوافعه المحددة، كما أشرنا سابقاً، فله وظائف محددة أيضاً يؤديها تنفيذاً للدور الذي تفرده له السياسة الخارجية للدولة، وهي:
1- الإتصال بالأفراد والشرائح الإجتماعية والجماعات والكتل السياسية والمنظمات داخل الدولة التي يمارس نشاطاته الإعلامية داخلها. وتتمثل بالحوار مع القوى المؤثرة في اتخاذ القرار السياسي من شخصيات وأحزاب وكتل برلمانية، سواء أكانت في السلطة أم في المعارضة على السواء، للوصول إلى الحد الأقصى من الفاعلية التي تخدم السياسة الخارجية لبلاده.
وتخضع عملية الإتصال هذه عادة لمعطيات هامة من حيث المواقف من القضايا المطروحة قيد الحوار ومواقف السلطة والمعارضة منها والخط السياسي الرسمي للدولة حيالها. وتتراوح هذه المواقف عادة مابين المؤيد التام، والمؤيد، والحياد التام، والحياد، والمعارضة التامة، والمعارضة، والعداء التام، والعداوة. ولهذا كان لابد من التحديد الدقيق للموقف السياسي للدولة، والمواقف الأخرى، للعمل على كسب التأييد اللازم لصالح القضايا المطروحة للنقاش، والعمل على زحزحة المواقف السياسية المعلنة للدولة، لصالح تلك القضايا. أو خلق مناخ ملائم للحوار الإيجابي على الأقل.
كما ويجب الأخذ بعين الإعتبار أيضاً طبيعة النظام السياسي السائد في تلك الدولة، ومدى ديمقراطية هذا النظام، وطرق اتخاذ القرارات السياسية في ظل النظام السياسي القائم، ومدى المشاركة الفعلية لكل القوى السياسية الموجودة في اتخاذ تلك القرارات.
لأن الإتصال بالجماهير الشعبية في أي دولة من دول العالم يتم من خلال تلك القوى التي تمثل النخبة المؤثرة،
أولاً: بين أصحاب الحق بإتخاذ القرارت،
وثانياً: على الجماهير الشعبية، التي هي بمثابة قوة ضاغطة على أصحاب حق اتخاذ القرار.
ومن هنا نفهم مدى أهمية إلمام خبراء الإعلام، والمخططون للحملات الإعلامية الدولية، بالنظم السياسية للبلدان المستهدفة والقوى المؤثرة فيها سلطة أم معارضة، ودور كل من تلك القوى في اتخاذ القرارات. لاستخدامها في التخطيط للحملات الإعلامية المؤيدة أوالمضادة، آخذين بعين الإعتبار الحقائق الإجتماعية والثقافية التي تساعد على نجاح الحملات الإعلامية الدولية.
2- الإتصال المباشر بالجماهير الشعبية، عن طريق وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية ومن خلال النشرات الإعلامية، والمؤتمرات الصحفية، والمقالات، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، والعروض السينمائية والمسرحية، وأفلام الفيديو، وإقامة المعارض الإعلامية، وتشجيع السياحة وتبادل الزيارات، وغيرها من الوسائل التي تتيح أكبر قدر ممكن من الصلات المباشرة مع الجماهير، للوصول إلى تأثير إعلامي أفضل وأكثر فاعلية.
وتأخذ بعض الدول لتحقيق سياستها الخارجية إسلوب مخاطبة الجماعات المؤثرة فقط، توفيراً للنفقات التي تترتب من جراء إستخدام إسلوب الإتصال بالجماهير الشعبية العريضة، وتوفيراً للوقت الذي يستغرق مدة أطول من الوقت اللازم عند مخاطبة قطاعات وشرائح إجتماعية متباينة من حيث المصالح والتطلعات، ومستوى التعليم، والثقافة، والإتجاه الفكري. ومزاجية تلك الجماهير العريضة في متابعة القضايا المطروحة، المحصورة في بوتقة إهتمامات شريحة إجتماعية معينة فقط. ولأن إسلوب الإتصال الفعال بالجماهير الشعبية يحتاج أيضاً لإمكانيات كبيرة ووسائل متعددة، تفتقر إليها الدول الفقيرة والنامية بينما نراها متوفرة لدى الدول الغنية القادرة من حيث الإمكانيات المادية والتقنية والخبرات الإعلامية، التي تمكنها من استخدام الأسلوبين في آن معاً.
3- كما ويمثل الإعلام الدولي الدولة أو المنظمة التي ينتمي إليها، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية أم متخصصة أم تجارية. كمكاتب الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة في العديد من دول العالم، ومكاتب منظمة الوحدة الإفريقية، والجامعة العربية، والأوبيك، والسوق الأوربية المشتركة، وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية.
ونحن عندما نرى اليوم الدول الغنية تستخدم كل تقنيات وسائل الإتصال الحديثة في خدمة حملاتها الإعلامية الدولية، ومن أبسط صورها القنوات التلفزيونية الفضائية، بعد انتشار استعمال هوائيات إستقبال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية في المنازل. وشيوع إستخدام شبكات الكمبيوتر حتى من قبل الأفراد، ومن أهم هذه الشبكات، شبكة الكمبيوتر العالمية ” إنترنيت ” التي تملكها وتديرها الولايات المتحدة الأمريكية، دون منافسة تذكرحتى الآن. نرى الدول النامية تتخبط بمشاكلها الإعلامية، وتعاني من الآثار المترتبة عن التطور التكنولوجي الحديث، والخلل الفاحش في التدفق الإعلامي الدولي أحادي الجانب والتوجه والتأثير.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design