الصورة.. لماذا نحتاج لنشرها ؟

جورنال الحرية
تحقيق /علي صحن عبد العزيز

يشعر الكثير منا بأن عدم نشر صورته مع مشاركته يمثل جزء من ضبابية ما يطرحه أمام القارئ ، فمثلا صورة السياسي الذي يسعى إلى الترشيح يتم الإهتمام ببروتوكولات شكله وملابسه وتلميع وجهه ، وحقيقة إن هذا الأمر أصبح وارداً في الثقافة على وجه الخصوص، فشخصية الكاتب تكون في فكره ولكنها تنتقل إلى صورته ، فعندما يرى الناس صورته يرون معها فكره ، وهكذا ما كان يفعله اليونان وبالضبط السوفسطائية كتقليد ، فهم كانوا ينحتون صور الفلاسفة ويرسمونها للعامة لكي يتجنبوهم في الإنتخابات السياسية ، وذات الخطوة فعلوها مع سقراط عندما كانوا يحاربونه قبل إن يعدموه ، وعليه وبناء على ما تقدم فإن هذه المقدمة تقودنا وفق معطيات المرحلة الجديدة للنشر المعاصر أمام أزمة نشر الصورة ولابد من معالجتها والوقوف على بعض الآراء في صدد هذا التحقيق .
(جريدة جورنال الحرية) توجهت إلى نخبة من المفكرين والباحثين والمثقفات ، لتطرح عليهم بعض الأسئلة ، هل نكتفي بطرح مفاهيمنا بأسلوب فلسفي ونخبوي مع عدم نشر صورتنا تحت أي تصنيف أو عنوان كان ، أم ترى بأن الصّورة أصبحت لغةً شعبية أكثرُ شهرةً وجماهيريةً بين الشّعوب، وتحتاج إلى رؤيةٍ جادةٍ وثاقبةٍ حتى تساهم بقوةٍ وفعاليةٍ في تعزيز المعنى أو الفكرة التي ننشرها .

سمة العصر

د.ايمان الكبيسي /باحثة وكاتبة واكاديمية : (تكلم كي أراك) تلك المقولة الشهيرة لسقراط والتي تحدد أهمية الكلمة ، وما يختبئ ضمنها من معاني ودلالات تحيل إلى شخصية المتكلم وطبيعته وثقافته وآرائه، كذلك تأكيد الامام علي (ع ) في مقولته المعروفة (الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام) وغيرها الكثير من الحكم والمأثور اللساني والشفاهي من الدلائل على علو كفة الكلمة والأسلوب إلى الهيئة والشكل الخارجي الذي ربما وفي أحيان كثيرة لا يعدو ألا أن يكون زخرفا يغلف مضمونا هشا فارغا ، وما أكثر تلك الصور في عالمنا اليوم ،لكن عند العودة إلى الخبر أو الموقف الفلسفي أو الطرح المعرفي في الوقت الحالي، نجده منقوصا دون وجود الصورة ، وهذا لا يعني خللاً في هذا الخطاب ، إنما هي سمة العصر التي إعتمدت الصورة المرئية أكثر من الكلمة المقروءة أو المسموعة ، فثقافة العصر هي ثقافة الصورة .ما يجعل لهذه الصورة أهمية في الطرح شئنا أم أبينا فثقافة العصر تمارس دكتاتوريتها المتسلطة.

وسيلة توضيحية

الدكتور علي لعيبي : من الضرورات الاعلامية الأساسية هي فكرة ما تبغي توصيله ، وهنا يجيب الإهتمام بالمحتوى الفكري واللغوي ، وأعتقد الصور هي توضيحيه لتشابه بعض الأسماء ، وهي لا تدخل في أي تعقيدات أخرى ، لكن المشكلة لو كانت الصورة جميلة . والمحتوى فارغ عندها ستفقد الصورة وقعها الجمالي وتصبح مجرد جماد بلا روح ، وعلى الإعلامي البارع إن يوظف الحال بما يخدم فكرة المقال أو التقرير المطروح .

إستغلال المشاعر
الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف : الفكرةُ هيَ ما تعبرُ عن صاحبِها ومبتكرِها ،وهيَ الَّتي ترسم صورتَهُ في ذهنِ المتلقي بغضِ النظرِ عن التفاصيلِ الحقيقيةِ لهُ ، وبالتأكيد فالكاتب المبدع المفكر ليس بحاجةٍ إلى وضعِ صورتهِ إلى جانبِ ما يكتب ، ولو أنَّ هذهِ الظاهرة أصبحتْ هيَ السائدةُ في عصرِنا الحالي ، لكنَّ السياسيّ يحاولُ دائماً استغلال مشاعرِ الناخبينَ وعواطفِهم بنشرِ صورتهِ بمسوح الأتقياء الأنقياء وما خفي كانَ أعظم ، وعلى الرغمِ من تطورِ وسائلِ التواصلِ لكنَّ الصورة فرضت نفسَها وأصبحَ عصرُنا عصر الصورة ، لكني أرى أنَّ المنجزَ الفكريّ والأدبيّ ليسَ بحاجة ٍ إلى صورةِ مبدعهِ ليصل .

قوانين الإدراك
الدكتور عبد الجبار شكري /عالم النفس وعالم الاجتماع
شاعر وروائي (المغرب ) : فيما سبق كان التقليد السائد عند الجميع هو نشر الكتب والمقالات بأسماء منتجيها فقط.بدون صور ، لكن تطور علوم التجارة وبالضبط علوم التسير والتسويق وظهور كفاءته في الإشهار والبيع وخلق أنطباعات جيدة عند الزبائن ، جعل الكثير من دور النشر والجرائد والمجلات ترى من الضروري الإستفادة من إستخدام التسيير والتسويق في الثقافة والمعرفة ، فأصبح الكتاب ينشر باللقب العلمي لصحابه وتنشر صورة المؤلف كذلك إلى جانب لقبه ، لأنه إذا تم فصل الصورة واللقب العلمي عن المنتوج الثقافي سيسيئ إليه ، مثلا إذا تعود القارئ على قراءة منتوج مفكر أو أديب ثوري ، بدون أن يشعر ، ستتكون في مخياله صورة خشنة لوجهه في تقاسيمه ونظراته مناسبة لثوريته ، ومن هنا يتطابق لدى القارئ بين فكر وأدب المفكر الثوري وبين صورته الخشنة . لكن إذا حدث أن القارئ وصادف صورة حقيقية لهذا الثوري ولكنها صورة ناعمة وطفولية وبريئة لا علاقة لها بالفكر الثوري والتمرد ، في هذه الحالة سينظر إلى المنتوج الفكري إلى ذلك الكاتب على انه لا يبدو ثوريا ، والعكس صحيح بالنسبة لأديب رومانسي عاطفي إذا لم ير القارئ صورته الحقيقية سيتخيل إن له صورة طفولية بريئة ، ولكن عندما يجد صورته خشنة ذات قسمات صارمة ، تنهار رومانسية هذا الأديب عند القارئ ، من هنا أرى انه لابد في عملية النشر من إن تصاحب صورة مؤلف مع ما كتبه في أطار المقالة أو في أطار الكتاب ، فالقارئ سيقرأ مضمون الكتاب مع مضون الصورة وهنا ستتأسس علاقة موازية بين الصورة والمنتوج الثقافي عند القارئ والتسيير والتسويق التجاري سابقا كما قلت إنتقل إلى التسويق الثقافي ، كما إنتقل ايضا إلى التسويق السياسي سواء في الإنتخابات أو المؤتمرات أو المهرجانات ، فلتلميع السياسي يتم تلميع هندامه وصورته فقبل إن يدخل السياسي إلى برنامج تلفزيوني سياسي يمر أولاً بمصمم الأزياء ليتم إختيار البدلة المناسبة له ، ثم يتم إدخاله إلى قاعة المكياج لوضع لمسات تزيينية على وجهه وكذلك لتصفيف شعره ، يعني إن فكر الكاتب أو البرنامج السياسي لشخص ما يتشكل من خلال صورته ، والعكس صحيح أن الفكر هو الذي يضفي صفة ما وانطباعا ما على صورة الكاتب ، ولقد أشارت مدرسة الجشطلت إلى هذه المسالة في قوانين الإدراك فالشخص يدرك البنية ولكن هذه البنية مكونة من عناصر هي الشكل ، فطبيعة الشكل هو الذي يحدد شكل إدارك البنية ، فالصورة والفكر يشكلان بنية فالصورة هي أرضية والشكل هو الفكر الذي يشكلها .

الحاجة الفعلية
علاء كريم / دكتور وناقد ومخرج مسرحي : عند طرح مفاهيم محددة أو افكار متجددة يجب أن يتم مراعاة كثير من الضوابط التي تجيز النشر، والتي تعتمد على الفكرة الرئيسية وأهمية اللغة فضلا عن اسلوب الكاتب ومساحة وعيه، لذا أعتقد الطرح له وقع مهم ومؤثر أكثر من الصورة، أقصد حتى وأن لم تنشر صورة الكاتب، لأن نشر أي صورة مع المادة يجب أن يخضع لمجموعة من القوانين، منها الحاجة الفعلية والملائمة لإظهار الموضوع عبر الصورة التي تتوافق مع الفكرة ، وبالتالي يعتمدها الكثير كـ (أداة) تسويق للكاتب نفسه .

دور المتلقي
فاطمة منصور/ أديبة / لبنان : للصورة دور أساسي للإشهار عن صاحبها أن كان سياسي أو مؤلف أو مخترع ، فمن دونها يبقى مجهول المعالم والملامح ، لهذا نقشت ونحتت الوجوه حتى تحفظ للتاريخ ، وهنا يأت دور المتلقي أن كان يلاحق الصور والإعجاب بها ويتجاهل المنشور ، أو ليتلقف الفكرة والموضوع وهو الاهم الذي فوق الصورة وهذا يعود لجودة وقوة الموضوع الذي يجذب الاخرين لايصال الفكرة من اجل النخب وتبادل الاراء ليطغي على الصورة ،الناس طباع ونجد من كلا النوعين .

توظيف المضامين
لطيف عبد سالم / باحث وإعلامي : من نافلةِ القول إنَّ لكلِّ مرحلةٍ تاريخيَّة ما يميزها من الأوعيةِ التوثيقية المعتمدة في مهمة التواصل ما بين أفراد المجتمعات، وبين العصور. ولعلَّ من بين أبرز الأدوات الثقافيَّة السائدة في عصر اليوم هو الصورة التي لَمْ يَعُدّ وجودها مقتصرًا على ما يكتنفها من ملامحٍ نّظرية فحسب، بعد أنْ أصبح وراء كلّ صورةٍ مغزى وأهداف مبتغاة، إذ أنَّ مُحاولة المتلقي تحليل الصورة، والابحار في ثناياها قصد التعرف على محتواها ومكنوناتها تقودنا إلى إدراكِ حقيقة أنَّ الصورةَ غدت تستخدم بعد توظيف مضامينها بشكلٍ فاعل كوسيلة مؤثرة لرسالةٍ إعلاميَّة وإخباريَّة تجسد العديد من الأفكار والأحداث، . وخلاصة القول إنَّ الصورةَ التي (تغني عن ألف كلمة) بحسبِ حكمة قديمة، أصبحت ثقافة بعد أنْ دخلت في أكثر مجالات الحياة.

القدرة الاستيعابية
عدنان كاظم السماوي / كاتب وباحث : وفق العصرنة والحداثويات والثورات الاتصالاتية ، نجد إن الصورة الشخصية بل الصور غدت عنصر ملازم للخبر أو الموضوع أو البحث بغية تعزيز الطاقة الذهنية والقدرة الاستيعابية للمتلقي ، وهو جزء من ثورة المعلومات الأساسية للعمل الصحفي بإدارة الصفحات ومتابعة الموضوعات والوقوف على قدرات كتابها من الأدباء والمفكرين والاكاديمين والفنانين ، وليجد المتلقي نفسه أمام الكاتب وشخصيته المعنوية التي تعكسها صورته الشخصية من موقع وظيفي أو إجتماعي أو سياسي وحتى عمره الزمني وامكانية معرفة تقدمه العلمي ، فضلا عن تحقيق الكاتب لأهداف نفسية واجتماعية يشعر حيالها بقدرته على الكتابة وأهمية موضوعاته التي جعلت منه كاتبا شغل حيزا في المجتمع والصحف ، وتلقى الكثيرمن القراء ما ورد عنه من عرض وتحليل وقد ظهرت لهم صورته جلية واضحة وانعكست على موضوعه ، وقد جرى العلم والفن الصحفي بفنونه وفروعه على الأخذ بنشر كتابات الكتاب مع صورهم التي تعزز كتاباتهم ، ولقد كتب الادباء والمفكرين الدهاة موضوعاتهم بدون تعزيزها بصورهم ألا إن سياسة الصحف وأهدافها التطورية ولغرض انجاح عملها اخذت تنشر الصور إلى جانب الموضوع الذي أصبح ظاهرة إيجابية ، ولابد من العمل بها ، فضلا عن شعور الكاتب بمدى أهمية موضوعه وحضوره العلمي والأدبي والفكري ، وليكون عنصرا فاعلا في مجتمعه عبر تلك الوسائل المقروءة والمرئية .

تعزيز المعنى
نجية عماري / السودان / إعلامية : الصورة عندما ترى شخص لأول مرة يوجد العديد من الأشياء التي من الممكن إن تخبرك عن طبيعة شخصيته ملامحه الشخصية طريقة تفكيره ، يعني الصورة تعكس شخصية الكاتب أو الشاعر ، ولهذا فإن الصورة ترتبط بشخص الإنسان إرتباطا وثيقا، ومن هنا فهي توثق مايقوله في زمن القرصنة من جهة من جهة أخرى يتعرف عليه القارئ ، فعندما يرى الناس صورته يرون معها فكره ، وفعلا الصورة تساهم بقوة وفعالية في تعزيز المعنى أو الفكرة التي ننشرها.

جذب القارئ
غزاي درع الطائي / شاعر : الصورة أداة ثقافية وتواصلية عالمية مركزة لا يمكن الاستغناء عنها ، لها فاعليتها النفسية وتأثيرها العاطفي القوي ، وهي اللغة الثانية للصحافة إلى جانب اللغة الأولى وهي الكلمة ، وعندما تكون الصورة مصاحبة للنص ، فإنها ستكوِّن معه ثنائية جاذبة ، لها القدرة على زيادة دافعية القارئ لقراءة النص المنشور ، والقارئ مهتم بمعرفة شخصية الكاتب ، وصورة الكاتب التي تتشكل باللون والحركة والمضمون ، هي من أهم البوابات التي يدخل منها القارئ إلى تلك الشخصية ، وتسهم بشكل مؤكد في إلغاء مجهوليته ، وأهمية الصورة وقوة تأثيرها البصري والعاطفي لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن الإيحاءات التي تشي بها تلك الصورة والسياق الذي التُقطت فيه ، ذلك أن الصورة وسيلة جذب مهمة لانتباه القارئ ، وما دامت هي على هذا المستوى من الأهمية ، فلا بد من أن تكون الصورة مختارة بدقة وعناية ، فليست أي صورة مناسبة تماما ، وقد عرفت الصحافة العالمية صورا خاصة للمشاهير من الأدباء والفلاسفة والمفكرين والكتاب والفنانين والسياسيين ، وقد أصبحت تلك الصور من الثوابت المعروفة ، ويمكن القول إن صورة الكاتب تقدم انطباعا عنه ، وهذا الانطباع هو ما يحتاج اليه القارئ بهذه الدرجة أو تلك ، ولذلك أصبحت مسألة نشر صورة الكاتب إلى جانب نصه تقليدا سائرا في الصحافة العالمية .

الهدف الحقيقي
السعدية الفاتحي / أديبة وإعلامية /المغرب : يعرف المجتمع ظاهرة غريبة جدا تجعل المتلقي ينبهر بما يراه أو يسمعه ولا يهتم بما يقرأ ، فالمسموع والمنظور يلعب دور كبير في جر حشد كبير من المتابعين الذين تنفتح مطامعهم للحقيقة والاطلال عليها عبر نافذة مفتوحة ، إذا كتبت نصا ورافقته بصورة ربما تتلقى تعليقات عن الصورة والأغلب يترك لك النص ويجعل الصورة هدفه الحقيقي ، فعلا أزمة التلقي التي تسحب جسر شغف القراءة والمعرفة من تحت بساط مدينة نهكها فراغ أمة ، الصورة تعكس شخصية الكاتب وكذا شخصية المرشح ، لكن النص يكعس كيل الأدمغة التي تسير حشد وجيش المعرفة ، اذا تابعنا على الانستغرام وكذا على قنوات اليوتوب نرى إن أغلب المشاهدات وأغلب المتابعين ينساقون إلى المحتوى الفارغ الذي يغلب عليه مشهد الإثارة والصورة التي تظهر ما يشبع رغبات المتلقي الفارغ ، لم تعد فكرة كتابة النص بلا صورة تجدي ، أو كتابة المقال تثير أحد فعالم منكب على نشر التفاهة وسحب لسان المتاهة وضعنا على فوهة بركان .

جدوى الصورة
سامح ادور سعدالله / مصر : أجد فرق بين كتاب وآخر, إذا كان الكاتب مشهور لدى الجمهور ,نشر صورته ليست بالضرورة لأنها لا تضيف ً, والكاتب فرض سيطرته الحسية والبصرية على القارىء مجرد قراءة أسمه , يعرفه القارىء ويتعايش معه ، إذن فهو لا يحتاج إليها ,فنصه أقوى منها ، وللكتاب الغير مشهورين يحتاجون إليه, لأنها تلعب دوراً كبيرًا في تعريف الكاتب للجمهور , تحمل معاني كثيرة قد تكون مقبولة عند الجمهور و تجذب القراء إليه .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design