“القطار “والمطار وبينهما المحكمة،فأيُها ينتصر ؟

كتب :  عاطف البطل .

 لا شك أيها الأعزاء بأن المجتمع المصري أمام تحول خطير،فهو يواجه تحديا كبيرا سواء من حيث منظومة القيم -التي افتقدناها وظهرت بوضوح بعد ثورة 25يناير- أم فيما يتعلق بمحاربة الفساد بجميع صوره  بكل حزم وحسم .

فعيون المصريين ترنو وقلوبهم تنبض لرؤية مصر “قد الدنيا “وهي تستحق ،ولكن ذلك لن  يكون  إلا باتخاذ إجراءات قوية، يتم من خلالها تطبيق سيادة القانون كمنهج وسلوك ليعلو فوق الجميع .

ومع أن هذا المفهوم نردده كثيرا إلا أننا نفتقده في أحيان كثيرة ؛لأن تنفيذه يواجه تحديات كبيرة منها ، المال تارة وصاحب السلطة تارة أخرى ،ليشعر مَنْ لا يملك المال أو السلطة بأنه في ورطة ، وما ينبغي له أن يتورط ، ورئيسنا السيسي – حفظه الله ورعاه –  ومن هنا تبدأ الإشكالية التي يجب معالجتها الآن قبل الغد ، وهي تطبيق سيادة القانون على الجميع دون نظر إلى مال أو سلطة .

ولا يخامرني أدنى شك في أن فخامة الرئيس السيسي صادق مخلص، يحب وطنه ويعمل ليلا ونهارا في سبيل الارتقاء بشعبه وتطوير وطنه، ولا  أحد ينكر ذلك إلا حاقد أو كاره أو حاسد ،  ولكن هل ساعدناه لتحقيق ما نصبو إليه جميعنا ؟

وإذا نظرنا إلى الواقع نجد أن بعضنا مقصر وما نلبث أن نساعد الرئيس في شيء ثم نتباطأ أو نتكاسل في عدة أشياء ، وبعضنا ربما يمتنع عن المساعدة ،بل أحيانا ينتقد الدولة المصرية  إذا تعارض ما يقوم به الرئيس مع مصالحه الشخصية ، وبذلك نكون قد ناقضنا أنفسنا بلا ريب .

 ودعونا نأخذ ثلاثة أمثلة لتوضيح الصورة بشكل أعمق ، حيث لدينا ثلاث سيدات ،كل منهن تمثل فئة معينة من الفئات التالية : صاحب رأس المال ، وصاحب السلطة ، ومَنْ لا يمتلك مالا أو سلطة ، لنرى من ينتصر في النهاية، والانتصار هنا إنما هو رمز يفهمه بعضنا ويقدّره جيدا ، ولن يفهمه البعض الآخر وربما لا يريد أن يفهمه ، بل أحيانا يسخر منه .

الفئة الأولى : وتمثلها سيدة المطار  ابنة رجل أعمال معروف ولذلك فهي تمثل هنا  ” رأس المال ” لنرى رد فعلها أمام تنفيذ القانون،حيث في عام 2015 ، تم ضبطها بمطار القاهرة الجوي حال تقدمها للسفر لمدينة الغردقة، بحوزتها 200 جرام لمخدر الحشيش، وانتابتها حالة من الغضب الشديد وتعدت على القوات بالسب والقذف والضرب، اعتراضا منها على استيقافها وخضوعها لإجراءات التفتيش ، هذا بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية في بيانها الصادر حينها .

وقد انتشر لها فيديو  على مواقع التواصل الاجتماعي حينها يُظهرها تضرب ضابطا برتية مقدم من أمن المطار، وتكيل له سيلا من الشتائم ، وهو هادئ لا يرد ، مما أظهر استياء كبيرا من قبل المجتمع المصري الذي كان يعتقد بأن عبارة ” أنت متعرفش أنا مين ” اختفت دون رجعة ،ليفاجأ بأنها ما زالت باقية ورددتها سيدة المطار ،بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث قامت بسكب المياه على ملابسه قائلة: “مش دي بدلتك أنا هوسخهالك”.

الفئةالثانية : وتمثلها  سيدة المحكمة وتعمل وكيلا عاما بالنيابة الإدارية ، ولذلك فهي تمثل هنا  ” السلطة” لنرى رد فعلها أمام تنفيذ القانون ،حيث في أغسطس الماضي من عام  2020م ،عندما رآها مقدم الشرطة- الذي يشغل قائد حرس مجمع محاكم مصر الجديدة – تقوم بالتصوير داخل المحكمة ولا ترتدي كمامة طبية قام بتوجيهها بعدم التصوير وارتداء الكمامة قامت بالاعتداء عليه قائلة ” يا زبالة ” وقد كررتها مرتين اثنتين ،وعندما نزع منها الهاتف قامت بتمزيق رتبته العسكرية في مشهد لا يليق أبدا من امرأة تمثل سلطة وهي الأولى بأن تلتزم بالقانون .

هذا المشهد المصور الذي تم ترويجه على جميع مواقع التواصل الاجتماعي لاقى الكثير من ردود الأفعال التي طالبت معظمها بالقصاص القصاص من تلك السيدة فكيف تفعل ذلك مع  ضابط شرطة ؟

 هذه الردود خفّتْ حدتها من البعض عندما علم بأنها تشغل منصب الوكيل العام بالنيابة الإدارية معتقدين بأنه لا يخلو الأمر من سوء تفاهم بين سلطتين ،وسوف يتم معالجة الأمر في هدوء ، وربما هذا الرأي كان جائز وواقعيا لو كان الأمر لم ينشر على الملأ ، وقد حدث عكس ما يتوقعون .

الفئة الثالثة : وتمثلها سيدة القطار بل سيدة مصر الأصيلة ،

 وهي زوجة لموظف وتعمل معلمة تتبع وزارة التربية والتعليم  ، وهي هنا رمز لجموع الشعب المصري من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة .

حيث في سبتمبر الجاري من عام 2020م وفي قطار المنصورة -القاهرة –

وفور وصول القطار لطنطا حضر رئيس القطار لأحد المجندين في الجيش المصري ، وبدأ يتحدث معه  ويطلب منه صوره الكارنيه أو التصريح، وطلب هو والكمسري منه القيام من مكانه وخلع الكمامة، وفى تلك اللحظة قام أحد الركاب برفع التليفون وتصوير الواقعة التي أظهرت بأن الكمسري ورئيس القطار تعاملا بشكل سيئ مع المجند وطلبا منه دفع 22 جنيها قيمة التذكرة وإلا سيقومان بتسليمه للشرطة ،وعندئذٍ  تحركت سيدة القطار بشكل تلقائي وتصدت للكمسري ورئيس القطار، وأصرت على دفع التذكرة للمجند.

فهي لا تملك سلطة أو مالا وفيرا ومع ذلك تصرفت بكل تلقائية ،وما قامت به سيدة القطار ، إنما هو رمز وتعبير عن احترام وتقدير كبيرين من الشعب المصري لجيشه العظيم . .

وما انتشر الفيديو الذي يوثق الموقف إلا ولاقى ردود أفعال كثيرة ، امتدت كالأعصار على جميع المواقع والقنوات ،اتفقت كلها على الثناء والمديح لما قامت به سيدة القطار ؛لتنال أجمل التكريم من مؤسسة الرئاسة نفسها والقوات المسلحة المصرية التي أصدرت بيانا مهما بخصوص هذا الشأن .

إننا نلاحظ وجود وجهي شبه في المواقف الثلاثة وهما : وجود المرأة ، ووجود الزي العسكري ، ولكن اختلف رد الفعل من امرأة إلى أخرى ؛تجاه هذا الزي الذي حاول كل من  المال والسلطة التقليل من شأنه وإهانته ،في حين وجدنا أن القيم التي تربينا عليها هي التي انتصرت للزي العسكري ،و احترمته وأعلت من شأنه ولم تسمح بإهانته ، وبذلك ينتصر القطار على المطار والمحكمة .

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design