وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية كتبها: أ.د. محمد البخاري

الصحافة المطبوعة
تعد الصحف من أقدم وسائل الإعلام في العالم على الإطلاق، فقد سبقت منافستيها الإذاعة والتلفزيون بعدة قرون. وللصحف خصائص تميزها عن سواها من وسائل الإعلام الجماهيرية، فالصحيفة لاتسطيع نقل الأخبار بتلك السرعة التي تنقلها بها الإذاعة، ولايمكنها نقل وتقريب الواقع كما يفعله التلفزيون، ولكنها تقوم بذلك بشكل متميز جعل من الصحيفة جزءاً لايتجزأ من حياة الفرد المتعلم في كل أنحاء العالم.
وبداية ظهور الصحف بشكلها المعاصر يعود إلى عام 1454م عندما أخترعت الطباعة عن طريق صف الحروف، وخدم هذا الإختراع المركز الرئيسي للسلطة في العالم المسيحي آنذاك، والمتمثل بسلطة الكنيسة. بينما تأخر إستخدام هذه الوسيلة الحديثة في طباعة الكتب والنصوص لعدة قرون في العالم الإسلامي بسبب التحريم الديني.
وقد خدمت المطابع الكنيسة في نشر مواضيع تهم الدين والدنيا، وأصبحت من عوامل الإصلاح الديني في العالم المسيحي خلال الفترة الممتدة مابين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. ونشرت المطابع روائع كتب القرون الوسطى، وكتب عصر النهضة بنسخ كثيرة، ووضعتها بمتناول الجميع بعد أن كانت حبيسة خزائن الكتب. ونقلت أخبار التجارة والإقتصاد للتجار في كل مكان. ولعل المنشورات مجهولة المصدر والهوية، التي لعبت دوراً كبيراً إبان الثورتين الفرنسية والأمريكية، من أبلغ الأمثلة على الدور الهام الذي لعبته الطباعة في تغيير العلاقات الإنسانية في المجتمع الإنساني المعاصر.
وأصبحت الصحف بالتدريج حارساً للديموقراطية، بإتاحتها الفرصة للمرشح والناخب بالتعرف إلى بعضهما البعض دون إتصال مباشر، بل عن طريق إنتقال الأفكار المنشورة على صفحاتها. وأصبحت من الوسائل الهامة التي يعتمد عليها التعليم في مختلف مراحله، وساعدت الصحف من خلال الإعلانات التي تنشرها على تصريف قدر هائل من السلع المنتجة في المصانع، وإيجاد فرص العمل، وتوفير الأيدي العاملة للباحثين عنها.
وجاءت الثورة الصناعية للصحف مع مطلع القرن العشرين بالمطبعة البخارية أولاً، ومن ثم بالمطبعة الكهربائية، مما ساعد على خفض تكاليف طباعتها، وأجور الإعلانات على صفحاتها وزيادة عدد نسخها، مما ساعدها على الإنتشار الواسع وتحولها إلى وسيلة إتصال جماهيرية رخيصة الثمن توزع أعداداً ضخمة من النسخ يعتمد عليها لنشر إعلانات مربحة للمنتج والناشر في آن معاً.
ومن الميزات الهامة الأخرى التي تنفرد بها المادة المطبوعة عن غيرها من وسائل الإعلام الجماهيرية، أنها تسمح للقارئ بالتكيف مع الظروف ومطالعتها في الوقت الملائم له، وإعادة القراءة كلما أراد. إضافة إلى أنها من أفضل الوسائل لمخاطبة الجماعات والشرائح الإجتماعية الصغيرة والمتخصصة.
الصحافة المسموعة ( الراديو )
تعتبر الإذاعة المسموعة من أفضل وسائل الإتصال الجماهيرية قدرة على الوصول للمستمعين في أي مكان بسهولة ويسر متخطية الحواجز الجغرافية والأمية، لأنها تستطيع مخاطبة الجميع دون تمييز وبغض النظر عن فارق السن ومستوى التعليم، ولا تحتاج لظروف وأوضاع خاصة للإستماع كما هي الحال بالنسبة للإذاعة المرئية ( التلفزيون ). حتى أنها أصبحت في بعض المجتمعات المتقدمة نوعاً من الوسائل الإعلامية التي يتعامل معها الإنسان دون إهتمام أو تركيز، كمصدر للترفيه أكثر من أنها مصدراً للمعلومات يحتاج للتركيز والإهتمام.
ومن الصعب جداً تحديد أصل الإختراعات العلمية التي أدت إلى ظهور الإذاعة المسموعة، التي تعتبر اليوم واحدة من أهم وسائل الإعلام الجماهيرية. ففي الفترة من 1890 إلى 1894 إكتشف برافلي المبادئ الأساسية للمبرق اللاسلكي، ونجحت تجارب ماركوني التي أجراها خلال الفترة من 1894 وحتى 1899 عندما نجح في إرسال أول برقية لاسلكية عبر بحر المانش.
وتطورت الأبحاث العلمية بعد ذلك، حتى إستطاع المهندس الفرنسي رايموند برايار، وزميله الدكتور البلجيكي روبير فولدا سميث، من إرسال وإستقبال بث إذاعي عن بعد عدة كيلو مترات عام 1914، وتوقفت التجارب بعد ذلك بسبب الحرب العالمية الأولى، إلى أن عادت مرة أخرى إلى دائرة الإهتمام بعد إنتهاء الحرب مباشرة.
وبدأت أو البرامج الإذاعية اليومية المنظمة البث من ديتروا نيوز في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1920، وتبعتها بريطانيا التي نظم فيها دايلي مايل أول برنامج إذاعي في نفس العام. أما فرنسا فقد نجح الجنرال فيري من إرسال أولى البرامج الإذاعية عام 1921.
وتعتبر العشرينات من القرن العشرين فترة هامة في حياة هذا الإختراع الهام، آخذاً في التطور والتوسع. ورافقه في عام 1925 إختراع البيك آب الكهربائي، وفي عام 1934 إختراع التسجيل على الإسطوانات المرنة، وآلة التسجيل عام 1945، وتمكن الأمريكيان براتان وباردن عام 1948 من إختراع المذياع، الذي إنتشر في الأوساط الشعبية إعتباراً من عام 1950وتبع هذا الإختراع عام 1958 إختراع إسطوانة التسجيل الستيريو التي نقلت البث الإذاعي معها إلى مرحلة جديدة.
الصحافة المرئية ( التلفزيون )
بدأت أولى التجارب لإختراع طريقة لإرسا ل صور ثابتة باللونين الأسود والأبيض عن بعد في منتصف القرن التاسع عشر، وتطور هذا الإختراع حتى إستطاع الألماني دي كورن من إختراع الفوتوتلغرافيا عام 1905، وجاء بعده الفرنسي إدوارد بلين، الذي طور الإختراع الأول وأطلق عليه إسم البيلينوغراف عام 1907. وإستمرت هذه التجارب بالتطور مستخدمة وسائل ميكانيكية أولاً ثم راديو كهربائية، حتى توصل كلاً من الإنجليزي جون لوجي بيارد والأمريكي س. ف. جنكيس إلى وسيلة إرسال تستعمل فيها إسطوانة دورانية مثقوبة عام 1923.
وقد تكللت التجارب التي جرت خلال الثلاثينات من القرن العشرين بالنجاح، حيث بدأ مركز أليكساندر بلاس البريطاني للتلفزيون بالبث التلفزيوني لمدة ساعتين يومياً عام 1936، وتبعه المركز الفرنسي في لاتوريفال ببث برامج تلفزيونية يومية عام 1938، وتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في العام التالي ببث تلفزيوني استهدف جمهور كبير. وأخرت الحرب العالمية الثانية البداية الفعلية لإنتشار البث التلفزيوني للجمهور العريض حتى إنتهاء الحرب العالمية الثانية عامي 1945 – 1946.
وبدأ في الخمسينات من القرن الحالي الإنتقال التدريجي من نظام البث باللونين الأسود والأبيض إلى نظام البث التلفزيوني الملون، وتبعه الإنتشار العاصف للبث التلفزيوني بواسطة الدارات المغلقة، ومحطات التقوية الأرضية، إلى أن إنتقل البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية مع تطور غزو الإنسان للفضاء الكوني الذي بدأ في نفس الفترة تقريباً. ويعتقد أن للتلفزيون فاعلية فريدة لأنه الوسيلة التي تعتمد على حاستي السمع والبصر في آن معاً. وقد لوحظ أنه يستحوذ على الإهتمام الكامل للجمهور، أكثر من أية وسيلة إعلامية أخرى، وخاصة في أوساط الأطفال واليافعين. وقد كشفت بعض الدراسات أن الصغار والكبار على حد سواء يميلون إلى تقبل كل مايقدمه التلفزيون بدون مناقشة، لأنهم يعتبرون مايقدمه التلفزيون واقعي ويعلق في أذهانهم بصورة أفضل.
والإختلاف بين التلفزيون والراديو، أن التلفزيون يحتاج لحاستي السمع والبصر وانتباهاً لايستطيع المتفرج معه أن يفعل شيئاً آخر أثناء المشاهدة، في حين أن المستمع للإذاعة يستطيع أثناء إستماعه أن يقرأ ويمشي ويعمل ويقود سيارته، أو أن يستلقي مغمضاً عينيه سارحاً في خياله. ومن المزايا التي يتميز بها التلفزيون عن سواه من وسائل الإعلام الجماهيرية:
1- أنه أقرب للإتصال المباشر، ويجمع بين الصورة والصوت والحركة واللون، ويتفوق عن الإتصال المباشر بأنه يكبر الأشياء الصغيرة، ويحرك الأشياء الثابتة.
 ينقل الأحداث فور حدوثها، وبفارق زمني طفيف.
 يسمح بأساليب متعددة لتقديم المادة الإعلانية، مما يضاعف من تأثيرها على الجمهور.
 أصبح وسيلة قوية بين وسائل الإعلام الجماهيرية بعد أن دخل كل بيت، ووفرت له الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء الكوني إنتشاراً عالمياً، مما زاد من فاعلية عملية التبادل الإعلامي والثقافي العالمي، وأصبح وسيلة تقارب بين الشعوب.
وهكذا نرى كيف تغير وضع الإنسان الذي عاش قديماً في مجتمعات صغيرة، محدودة العدد معزولة عن بعضها البعض، يصعب الإتصال فيما بينها. ليأتي القرن العشرين ليغير الوضع تماماً لسببين أساسيين نلخصهما بالتالي:
 نشوب الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918 )، والحرب العالمية الثانية (1939 – 19945)، وما تمخض عنهما من إنتقال للقوات العسكرية عبر الدول والقارات. وهذا بحد ذاته ساعد على تطوير وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية، ومعها تطورت الطرق البرية والمائية والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجوية.
 إنتشار وسائل الإتصال الحديثة، من تلغراف وتلفون وراديو وتلكس وفاكس وحاسبات إلكترونية (كمبيوتر) وبريد إلكيتروني. ووسائل الإعلام الجماهيرية، من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون. مما “أحدث تغيرات جذرية على تصورات المواطنين في جميع أنحاء العالم، واتسع أفق الأفراد وإطارهم الدلالي بشكل لم يسبق له نظير، بحيث لم يعد في الإمكان عزل الناس عقلياً أو سيكولوجياً عن بعضهم البعض. لأن مايحدث في أي بقعة من بقاع العالم، يترك آثاره على جميع الأجزاء الأخرى. فالعالم اليوم هو قرية الأمس. فقد إتسعت تصورات الفرد التقليدي القديم التي كانت تتسم بالبساطة عن واقعه وأصبح عليه أن يجاهد حتى يفهم الأخبار التي تغمره بها وسائل الإعلام الجماهيرية يومياً عن أحوال الأمم والشعوب الأخرى المختلفة الألوان والعقائد”.
وخرجت وسائل الإعلام الجماهيرية بالتدريج عن إطارها المحلي لتصبح أداة إتصال وتواصل بين الأمم لها دوراً مرسوماً ومحدداً في إطار العلاقات الدولية، وعملية التبادل الإعلامي الدولي. ودخلت ضمن الأدوات والوسائل التي تحقق من خلالها مختلف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية بعضاً من سياساتها الخارجية.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design