حكايات جدتي

جورنال الحرية-الإمارات

كتبت الباحثة : سها شعبان

الحكايات بين المفهوم التراثي والمفهوم المعاصر :
أعتبر نفسي ذات حظٍ عظيم لأني حظيت بجدة حلبية حكواتية من الطراز الأول .. كانت تحكي الحكاية فتشد مستمعيها … كنت أسافر في حكاياتها أتخيل المكان والأبطال وأستمتع بالكلمات المسجوعة … كانت اذا حكت حكاية ينصت الجميع إليها تشدهم وكأنهم يتابعون فيلمًا مصورًا .. وكانت تند عن الكبار أحيانًا ردة فعل هنا وهناك مؤيدة أو مستنكرة دليل التماهي مع الحكاية .

لم يكن لحكايات جدتي تقريبًا أي موعظة يستخلصها الطفل او الراشد … فقط خيال يتدفق يقارن بين الخير والشر وينتصر أخيرًا للخير ..
أجمل مافي حكايات جدتي كان أن كل مستمع يعيشها بعالمه الخاص بتصوره الخاص … يعيد خلقها من رؤيته ..
لحكايات جدتي في حياتي دور في تخصيب خيالي وتوسيعه … لكن الدور الأكبر كان أنه لشدة تعلقي بها وبحكاياتها تمنيت من طفولتي المبكرة … أن أوثقها … عندي دفاتر بخط يدي الصغير المتعثر كنت قد دونت عليه بعض ماتردد جدتي من دهاليز لأن الدهليز قصير ومسجوع … لقد زرعت بي بذرة توثيق التراث الشفهي قبل فقده .. والحمد لله اني توصلت لجمع أغلبها وكتابته .. ومنذ فترة نشرت منها حكاية الكذب ( قلعة من روس ) كاملة دون نقصان .. ( حتى الأسدي أوردها في موسوعته ناقصة )
ولتقريب المفهوم المعاصر للحكايات : أسوق مثالا حكايات ابنتها ( والدتي ) :
كانت والدتي خريجة الحقوق تحكي لحفيدتها قصصًا مما قرأته وتستخلص لها العظة أو الحكمة في نهاية القصة ( مثلا الضفدع الذي أحب أن يكون بحجم بقرة فأكل كثيرا لكنه انفجر ولم يكبر حجمه وتصل معها الى الحكمة الطمع ضر مانفع ) . كنت أحاول أن أتخيل الحكاية فلا أرى سوى ضفدع وبقرة ربما كانا في حظيرة .. وان كان في يديها كتاب فلابد أنه كان يستشهد على القصة بصورة بصرية لرسام من الدرجة العاشرة يمثل أحد مواقف القصة .
أما حكايات جدتي فكان فيها حدائق وبساتين وسين وياسمين وبلابل عبتناغي وبركة مي عبتطفح .. كان فيها جنيات أليفات حنونات … وفيها غيلان تتعاطف مع البشر .. فيها قصور وبيوت فقيرة .. فيها ملك جبار يقع في الحب فيلين …
كانت بعض الحكايات تترافق بأغاني .. أو بإيقاع مسجوع .. كان فيها حس موسيقي …
كان بناء الحكاية فن لكن روايتها فن يضاهيه .. لذلك لايمكن الاكتفاء بنقلها مكتوبة … هذه الحكايات يجب توثيقها بالصوت أو بالفيديو فقد أتاحت لنا التقنيات الحديثة ذلك ..
في معرض الحديث عن جائزة الأسدي عن فئة ” “نقل التُراث إلى الأطفال و الناشئة”
ما أود إثارته على صعيد : الحكايات والتراث … هل نبتدع لأولادنا حكايات نزج بالتراث فيها .. أم نحي تراث الحكايات القديم ؟ أم ترانا نوفق بهذه الجائزة بأن يبرع أحدهم بمزج أدبين شعبي وفصيح ويتفتق خياله عن حكاية تحفظ التراث وتقدم بلغة عربية فصيحة ؟
مهمة نقل التراث عبر الحكايات مهمة شاقة مع أجيال نشأت على المشاهدة وليس على التخيل ..
كيف ستقنع طفلًا أن يستمتع بقراءة كتاب مع كل ما يتوفر له من وسائل تواصل اجتماعي تغدق عليه بمواد غني بالصت والصورة ( الصورة الجميلة والمرحة والمتحركة ) .. كيف سنقدم له كتابًا يشده ولايراه عبئًا ثقافيًا يشابه كتبه المدرسية ؟
أتساءل بصوت مرتفع .. حتى لا تكون الجائزة مفرغة من محتواها يحتفي بها الكبار ولا يعبأ بها الصغار ..

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design