“التطور بين الإيمان و الإلحاد”

جورنال الحرية-الإمارات

كتب : د . كريم سعيد

لطالما وقفت متهكما و ساخرا من انصار نظرية داروين للتطور و اتخاذها ذريعة لنشر الإلحاد و ان كل شئ اتي من مصدر واحد تحكمت في تطوره من شيء الى اخر صدفة او طفرة أو كلاهما ، وأن الحاجة لعضو ما تجعله يتضخم و يبرز و عدم الحاجة اليه يؤدي الي ضموره و اضمحلاله – الحقيقة ليست بهذه البساطة و سنأتي لذلك بشئ من التفصيل . لطالما وقفت ضد النظرية لمجرد أن معظم المروجين لها حقيقة من انصار الإلحاد . ولكن هل كان داروين نفسه ملحدا كما سوق الينا ؟! الحقيقة هي لا أو هكذا يجب أن تكون من وجهة نظرنا نحن المسلمون إذ ان من حكم عليه بالإلحاد هم القساوسة و رهبان الكنائس لأن عقله قد أوصله الي ان يخالف معظم اعتقاداتهم فأنا اظنه و الله اعلم قد مات علي الحنيفية السمحاء. وما وصل اليه داروين قد سبقه اليه علماء مسلمون بعدة قرون و منهم الجاحظ و البيروني و ابن طفيل و المسعودي حتي أن السير وليام دريبر وهو احد المعاصرين لداروين في كتابه ”The conflict between religion and science P188” قد اقتبس من مقدمة ابن خلدون ما يلي : “ثُمَّ أَنْظر إِلَى عَالَمِ التَّكْوِينِ كَيْفَ اِبْتَدَأَ مِنْ المَعَادِنِ ثُمَّ النَّبَات ثُمَّ الحَيَوَان عَلَى هَيْئَةٍ بَدِيعَةٍ مِنْ التَّدْرِيجِ. آخرُ أُفْقِ المَعَادِنِ مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ أَفُقْ النَّبَاتَ مِثْلَ الحَشَائِشِ وَمَا لَا بَذْرَ لَهُ وَآخرُ أُفْقِ النَّبَاتِ مَثَلُ النخل وَالكَرم مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ أَفُقْ الحَيَوَانَ مِثْلَ الحَلَزُونِ وَالصّدَفِ وَلَمْ يُوجِدْ لَهُمَا إِلَّا قُوَّةُ اللَّمْسِ فَقَطْ وَمَعْنَى الاِتِّصَالِ فِي هَذِهِ المُكَوِّنَاتِ أَنَّ آخَر أُفْقٍ مِنْهَا مُسْتَعِدٌّ بِالاِسْتِعْدَادِ الغَرِيبِ لِأَنْ يَصِيرَ أَوَّلُ أُفْقٍ الَّذِي بَعْدَهِ وَاِتَّسَعَ عَالَمُ الحَيَوَانِ وَتَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهُ وَاِنْتَهَى فِي تَدْرِيجِ التَّكْوِينِ إِلَى الإِنْسَانِ صَاحِبَ الفِكْرِ والروية. تَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ عَالَمِ القُدْرَةِ الَّذِي اِجْتَمَعَ فِيهِ الحِسُّ وَالإِدْرَاكُ، وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى الروية وَالفِكْرُ بِالفِعْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ أُفْق مِنْ الإِنْسَانِ بَعْدَهِ، وَهَذَا غَايَةُ شُهُودِنَا.” (مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة، ص 207)

ولعل أحمد بن سهل البلخي كان أول من ذكر التطور من المسلمين في كتابه ” البدء والتاريخ” : إن الحيوان قد تولد من الرطوبة و إنه كان يغشاه مثل قشور السمك و لما اتت عليه السنون صارت الى الجفاف فانقشر عنه ذلك القشر… واّدم حيوان و عند البعض ان ادم تولد من رطوبة الأرض كما يتولد سائر الهوام و كلن جلده كجلد السمك و عند اخرين أنه ظهر شيئا بعد شيء ثم تركب علي مرور الأزمان و صار انسانا .

وعند أحمد بن محمد بن مسكويه في كتاب “تهذيب الأخلاق و تطهير الأعراق” : أن الموجودات كلها سلسلة متصلة – كل نوع يبدأ بالبساطة و يترقي ………و كذلك الحيوان حتي يصل الي مرتبة قريبة من الإنسان .

منذ فترة ليست بالقصيرة كنت أشاهد التلفاز وكان المتحدث دكتورعبد الصبور شاهين مؤلف كتاب “أبي أدم” مطلقا فكرة أن سيدنا ادم كان له أبا و لكنه ليس بنفس الصفات البشرية – تهكمت من الفكرة رغم عدم رفضي لها مطلقا حيث كان هناك برأسي موروث بأن الله سبحانه و تعالي قد صنع شيئا من الطين و تركه و ظل الشيطان يتعجب منه و الخ الخ حتي نفخ فيه الروح و صاراّدما كما ان الله ليس بعاجز عن خلق ادم بغير اب او ام سبحانه .

لكن ظلت دائما هذه الاية من سورة البقرة تمثل لي سؤالا ليس له جواب ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)  كيف للملائكة و هي المخلوقات التي لا تعصي ربها ابدا ان تجادل الله في مثل هذا الشأن الا ان يكونوا قد رأوا رأي العين ما جعلهم يقولون هذا

 إذاً هناك بالفعل حلقة مفقودة أو لغز تطلب بحث طويل حتي أتمكن من الربط بين التطور و جعله سببا لمزيد من الايمان بالخالق و ليس العكس كما يريد ان ينتهي الي ذلك الملحدون لهوي في انفسهم .

هل هناك أدلة علي التطور في القراّن ؟ نعم ونمر عليها مرور الكرام او نفهمها كما فهمها و نقلها الينا لسلف الصالح بما توفر لديهم من علم في وقته. أولها هذه الاية في اوائل سورة البقرة التي ان قرأت تفسيرها عند الكثيرين ستجده مجرد اجتهاد غير مستساغ في وقتنا هذا – وستدرك انها بالفعل تشير الي مخلوق اخر شبيه بالانسان أو ما يعرف بال  homoerectus والذي كان يتميز بجمجمة ذات تجويف دماغي صغير جدا نسبة لحجم الرأس مما يدل علي أن حجم المخ لدي هذا الكائن كان صغيرا جدا و لهذا ربما كان كائنا همجيا غير عاقل حتى لحظة الاصطفاء .

من المعروف أيضا أن كل نبي كان يخاطب قومه بما يدركون و يحتج عليهم به و من المعلوم أن سيدنا نوح يعتبر الأب الثاني للبشرية و هو قريب عهد بسيدنا اّدم و قومه ربما شهدوا اباءهم الأولين و قد احتج عليهم سيدنا نوح قائلا ” مالكم لا ترجون لله وقارا و قد خلقكم أطوارا ” فهل كان قوم نوح علي دراية بالنطفة و العلقة والمضغة و العظام و كساؤها لحما كما فسرها المفسرون ؟؟!! لا أظن ذلك و ما أظن الا انهم كانوا شهودا علي تطورهم من ” ذرية قوم اخرين “

وقد قال المولى عز وجل في سورة الأنعام ” وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) فقد قال سبحانه يستخلف ما يشاء و التي تتسع لكل شيء و ليس من يشاء ،وقال ” من ذرية قوم اّخرين ” أي دليل اوضح من هذا حتي في التفاسير الموجودة مثل الطبري الذي فيه : كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلَكم .

سأكتفي عند هذا الحد لانتقل الي الحلقة المفقودة في نظرية التطور و نبدأ بذكر بعض الايات من سورة السجدة :

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)

يتحدث سبحانه عن خلق السماوات والارض و نظرية النسبية و التي لم يكن المسلمون الأوائل علي دراية بها بالتأكيد وليس لديهم من العلم ما يفسرها اكثر من ذلك  فلا عجب أن ما يليها يلخص اعجازاّخر في خلق و تطورالانسان و لكي نفهمه و نستوعبه من ناحية لغوية لابد من ملاحظة أحرف العطف التي تحدد مراحل التطور ( وبدأ ….ثم جعل ….. ثم سواه ….. و نفخ … وجعل). 

الطور الأول : بدأ خلق الانسان من طين – وصفت هذه الاّية بدء خلق الانسان و ليس كماله و اجملت دون تفصيل – هل كان هذا الانسان ذكرا أم أنثى أم كلاهما ؟ هل كان في هذا الطور كائنا حيا ام مجرد كتلة من الطين لا حياة فيها ؟ هل كان خلية واحدة مثلا ؟ هل كان يتناسل بأي شكل من  الاشكال في هذا الطور ؟

و الاجابة نستنبطها من الطور الثاني : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين – اي الانتقال الي التكاثر الجنسي و نلاحظ ان العطف ب” ثم ” يفيد الترتيب مع التراخي اي اننا لا ندرك كم الف او مليون سنة مرت قبل ان ينتقل هذا المخلوق لمرحلة التكاثر الجنسي و لا بد ان ننتبه هنا الي استعمال كلمة “جعل ” و التي تفيد تغير وظيفي في شيء موجود اصلا ، إذاً ” جعل نسله ” تعني انه اصلا كان يتناسل بشكل ما – ربما لا جنسيا – و تحول الي التناسل الجنسي و هذا ارتقاء في السلسلة .

الطور الثالث و الاخير : ثم سواه و نفخ فيه من روحه و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة – هذا منتهي التطور الذي أوجد الانسان العاقل و قد شمل تغييرات تشريحية و اخري وظيفية  بدأت بالتسوية و النفخ و اللذان لا نعلم كنههما حتي الان وهنا يعجز العلماء عن ايجاد الجمجمة الانتقالية من ال homoerectus  و جمجمة أول انسان عاقل و هنا تتمثل قدرة الخالق – و في نفس اللحظة حدث تغيير و ظيفي دل عليه بكلمة “جعل” أدت الي ظهور السمع و الأبصار مما يدل علي وجود الاذان و الأعين و لكن ربما لم تكن بكامل و ظائفها أو لم تكن لها بعد وظيفة علي الإطلاق .

أذاٌ ربما تكون عملية التسوية و النفخ هي اتمام حجم وشكل المخ و ربط ما يصل اليه من الاذان و الأعين و ترجمتها بواسطة مراكز معينة داخل المخ الجديد الكامل.

مايقوله العلماء أن جمجمة البشر تضخمت بشكل تدريجي  و فجأة ظهر الانسان العاقل قبل حوالي 7000 سنة فقط و أن هذا التغيير الذي فرق بين الانسان و الحيون ماكان ليحدث الا بشيء خارق للطبيعة و نحن نقول هي قدرة الله و هي الحلقة المفقودة التي لا يمكن فهمها عن طريق الحفريات اذ ان اغلب الظن ان هذه التسوية كانت في حجم المخ  وتلافيفه و ادراكه و هذا شيء لن يوجد في الحفريات التي تبحث فقط في العظام. و لربما حرم الله الخمر لأنه يرد الانسان الي طبيعته الهمجية قبل التسوية بإلغاء عقله. و لربما في تنكس عقل المسن و تدهور قدرته علي الادراك نظرا لانكماش حجم مخه ما يفيد ان هنا كانت التسوية.

يبقي هنا ان نبين كيف لنا اذاً ان تأتي مخلوقات مختلفة من شئ واحد – فقد قال ربنا انه أنبتكم من الأرض نباتا فهل معني ذلك ان احد مراحل تطورنا كنا نبات و احيانا لم نكن شيءا مذكورا ؟؟!!

هنا نذكر أية نختم بها المقال رغم ان الموضوع لم ينته و هي قوله تعلي في سورة الأنعام : وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

طبعا كل التفاسير ستجدها مجمعة علي النفس الواحدة انها اّدم عليه السلام لكنهم يجتهدون لتفسيركلمتي مستقرو مستودع تفسيرات نعذرهم عليها نظرا لمبلغهم من العلم في ذلك الوقت و لكن اليوم و مع علمنا بوجود جينات متنحية و جينات سائدة يمكن ان نقول ان النفس الواحدة او الخلية الواحدة خلقها الله ووضع فيها كل الجينات التي تنتج كل الكائنات المنشودة فمنها ما يستقرو يبقى في الخلية الأم ( مستقر) و منها ما ينتقل للجيل الثاني( مستودع )  منتجا كائنا ثانيا بصفات جينية أخري يبقي منها ما يبقي و يمرر الرسالة للمخلوق التالي و هكذا .

من هنا اصبحت مشفقا علي العلمانيين و الملاحدة و أتعجب أن عقولهم و أبصارهم مازالت في غفلة عن قدرة الله التي تظهر لهم حيث أرادوا اثبات عدم وجودها ولكن ” ….فإنها لا تعمي الأبصارولكن تعمي القلوب  التي في الصدور”

المراجع:

العلمانية جذورها و أصولها : د. محمد علي البار

أذان الأنعام : د. محمد بابكر حسن

مقالات مختلفة

   

 

 

 

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design