تراث حضاري عظيم

جورنال الحرية

كتب/ أ.د. محمد البخاري _ طشقند

تراث الأجداد العظام في الحضارة الإسلامية هو ملك للبشرية، ولهذا على الجميع تطويره وإغناءه. ومن بين النشطاء المحافظين على هذا التراث في أوزبكستان عضو أكاديمية العلوم، إدوارد رتفيلادزة، الذي قدم إسهاماً قيماً لهذا الكنز القيم، حين أكتشف فيه صفحات جديدة وجديدة. وكان في فصلي الربيع والخريف من كل عام، وعلى طوال نشاطاته العلمية خلال سنين طويلة، يقوم بتنقيبات أثرية في مدينته المحبوبة الصغيرة كامبيرتيبه، والكثير من المدن التي كانت تعج بالحياة في السابق على تقاطع التاريخ والثقافة العالمية، واحتفظت أوزبكستان منذ قرون سحيقة، بطريق الحرير العظيم الذي امتد عبر آلاف الكيلومترات.
وأشار إدوارد رتفيلادزة إلى أقدم الحضارات التي وضعت أسس دولة أوزبكستان المعاصرة، الدولة التي مرت فيها الطرق العابرة للقارات، وأدخلت إنجازات العلماء البارزين إلى الأبد في مخزون العلوم والثقافة العالمية، وأهم الإكتشافات العالمية، التي تحفظ بها هذه الأرض اليوم. وتشكلت إستنتاجات تاريخية هامة جداً، خلصت إلى إكتشاف مصادر وأسباب ظهور الأسس العلمية والثقافية، وكوكبة مجيدة من علماء ما وراء النهر خلال القرون الوسطى، أمثال: محمود الخوارزمي، وأحمد الفرغاني، وأبو علي بن سينا، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وميرزه ألوغ بيك، وغيرهم من العلماء والمفكرين العظام، الذين ولدوا فيها وبقيت إنجازاتهم العلمية إلى الأبد ضمن المخزون الذهبي للعلوم والثقافة العالمية، وكذلك دور هذا التراث في الحضارات السابقة والمعاصرة.
وكل هذا يعود للتطور الرفيع في العلوم الحضارية على أراضي ما بين نهري سيحون وجيحون، والتي تمتد من العصور: البرونزية، والقديمة، والقرون الوسطى. والإنطلاق الحضاري هذا بالضبط وفر إمكانية ظهور كوكبة كاملة من العلماء البارزين، اعتمدوا في أبحاثهم وإكتشافاتهم العظيمة على المعارف العلمية، التي تراكمت حتى ذلك الوقت في الشرق. وبدءاً من مصادرهم التي تشكلت مع حضارات بلاد مابين النهرين، والتطور الشامل في الحضارات المتقدمة في الشرقين الأوسط والأدنى، وما وراء النهر، ضمن عملية التداخل والإغناء المتبادل للثقافات والحضارات. وظهر هذا من خلال أعمال معلمين عاشوا في تلك الأوقات.
ويمكن تقديم الكثير من الأمثلة بدءاً من العصر الحجري، عندما لعبت أرض أوزبكستان دوراً كبيراً في تاريخ الحضارة. وهذا ما تؤكده الحقائق المعروفة والفريدة في كل العالم، على أراضي كل الشرق من خلال لقيات كهف تيشيك تاش (بايسون)، حيث أكتشفت بقايا صبي ينحدر من عصر الإنسان البدائي. وبفضلها خرج العلماء باستنتاجات، أنه في ذلك العصر القديم، ومن أواسط العصر الحجري القديم أي منذ 100 أو 40 ألف سنة مضت، كانت أراضي أوزبكستان المعاصرة منطقة تشكل فيها الإنسان الحديث. وهي مرحلة إزدهار الزراعة في العصر البرونزي، وشكلت بداية لعلاقات أوزبكستان القديمة الواسعة مع الدول المجاورة. وفي ذلك الوقت وضعت أسس بناء المدن، وفن العمارة، وتشييد التحصينات، وأسست الثقافة المادية والفنية. وبشكل كاف كانت المرحلة (الهلنستية والقديمة)، والعصر القديم، وهي من الصفحات اللامعة في تاريخ حضارة وسط آسيا كلها، وخاصة حضارة ما بين النهرين في وسط آسيا. وفي ذلك الوقت تكون ما يسمى بالثقافة الهلنستية، والتعايش بين السكان الأصليين، وجاءت غلى المنطقة الثقافة اليونانية المقدونية، التي أعطت نماذج ساطعة للثقافة المادية والفنية، والكثير غيرها من النماذج. وجاءت بعد واحدة من الإمبراطوريات المهمة في العالم، من: الخانية، والرومانية، والبرفانية، والإمبراطورية الكوشانية التي تتساوى مع الإمبراطوريات، وهي التي وضعت أسس المنجزات العظيمة لحضارة وسط آسيا، ومن ضمنها حضارات: الصغد، والبكتير، والخوارزميين، وبالنتيجة حصلت وسط آسيا على تطورها في القرون الوسطى المبكرة. وبفضل هذا نملك اليوم نماذج ساطعة من: تماثيل خالتشيان، ورسومات وتماثيل دالفيرزينتيبه، والآثار الخوارزمية، والكثير من الآثار غيرها. ومن النماذج الأكثر سطوعاً لثقافة وسط آسيا المتطورة جداً يمكن تقديم اللوحات الأثرية، والنماذج التي تكتشف على أوزبكستان المعاصرة، في: ورخشا، وأفراسياب، وبالاليكتيبه، وغيرها من الآثار.
ولا بد من الإشارة خاصة إلى أنه في تلك المرحلة كانت على الأرض الأوزبكية طرق هامة عبرت القارات، وربطت بين الشرق والغرب. ولعبت دوراً ضخماً في تطوير وإزدهار الحضارات، وبدأ تطور علاقاتهما المتبادلة من اليونان، وروما والشرق الأقصى. ولهذا كانت تمثل الفقرة الواصلة بينها، وأدت إلى تكرار تلك الحضارات بفضل موضعها الجغرافي، وكان في أوزبكستان القديمة مراكز حضارية مثل: سمرقند، وبخارى، وترمذ، وغيرها من المدن، التي كانت بمثابة فقرة إنتقال للقيم الثقافية من الهند، والصين، إلى أوروبا وبالعكس. ومع ذلك كانت الإنجازات الحضارية تتراكم دائماً على أراضي أوزبكستان، التي حصلت على تطورها الجديد اللاحق. ولم تكن هذه الطرق الهامة العابرة للقارات ببساطة طرق للتجارة، فقط بل عبرها انتقلت الإنجازات العلمية والتقنية والثقافية، والأفكار والإبتكارات الجديدة. وتكاملت ونقلت لاحقاً كل الإنجازات العظيمة لحضارات ذلك الوقت. وكانت أراضي أوزبكستان في ما بين النهرين مركزها الدائم.
وإزداد الإهتمام العلمي والإجتماعي بتاريخ هذا الطريق العظيم العابر للقارات خلال السنوات الأخيرة، وهو الذي ربط بين الدول القديمة في الشرق الأقصى مع دول البحر الأبيض المتوسط عبر وسط آسيا، وعزز من مكانته وأهميته في الحضارة العالمية.
وكان ظهور هذا الطريق في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، سبباً لربط النشاطات السياسية الصينية، والتجار اليونان، والإغريق، وبارثيا. ولعب سكان أوزبكستان القديمة دوراً كبير في إحداثه، وخاصة البكتير، والصغد.
وهكذا، ومنذ البداية استوعب الصغد في القرون الوسطى الطرق البحرية: والتفوا حول الهند، وشبه جزيرة الملايو، وتعمقوا نحو جنوب شرق الصين، وإلى اليابان، ومما يشهد على ذلك اللقيات الأثرية للكتابات الصغدية في مقاطعة كانتون، وقلعة خوروجي، وفي العاصمة اليابانية القديمة، ناريه. ومما يلفت النظر حقيقة أنه في القرن العاشر الميلادي ووفقاً لمعلومات بوزورغ بن شهريار، الواردة في كتاب “عجائب الهند”، كان بحر العرب يسمى آنذاك “محيط سمرقند”، وهذا يعكس الدور المهيمن لأبناء هذه المدينة على تطور الطرق البحرية. وقبلها طور الصغد في القرن الرابع قبل الميلاد الطريق إلى بيزنطة. بأمر من حاكم الصغد مانياخ، والخان ديزابول، وتم إجتياز الطريق الصعبة جداً عبر أسفل نهر الفولغا، والصحراء، وطرق شمال القوقاز إلى كونستانتينوبول، وهو ما دعى الإمبراطور البيزنطي يوستين الثاني، للقيام بزيارة جوابية، وبنتيجتها أصبحت تشتهر تجارة الحرير من صنف “زاندانيتشي”، وتم اكتشاف الكثير منها في مقابر آلان بشمال القوقاز وأوروبا.
والدور الكبير في أهمية طريق الحرير العظيم كشريان نقل دولي في القدم يصعب تقييمه، لأنه ربط بين دول ومناطق، مثل: الصين، والهند، ووسط آسيا، والشرقين الأوسط والأدنى، والبحر الأبيض المتوسط. ووفرت هذه الطريق ليس العلاقات التجارية بين تلك الأقاليم فقط، بل ووفرت فرص الحوار وتبادل المعلومات بين قارات ودول بأكملها، وعبره نقلت الأفكار الجديدة والتكنولوجيا، والقيم الثقافية والمعنوية، وهو ما وفر الظروف للتبادل الحضاري والتكنولوجي. وعلى طريق الحرير العظيم جاءت إلى أوروبا وبالعكس إلى آسيا معلومات وتفاصيل دراسات علماء ومفكري الشرق والغرب، وتم التوصل عملياً لأعمال وأفكار وإكتشافات علماء عظام، أمثال: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وبطليموس، وغيرهم من العلماء.
وبدورهم قدم ألمع ممثلي علوم الشرق: محمد الخوارزمي، وأحمد الفرغاني، وأبو علي بن سينا، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وغيرهم من العلماء، الكثير من الأفكار القديمة في العلوم والفلسفة لأوروبا خلال القرون الوسطى. وعلى سبيل المثال: أحدثت في قرطبة وطليطلة بالأندلس (إسبانيا اليوم) مراكز خاصة لترجمة ونسخ أعمال علماء ومفكري الشرق العظام. وترجمت أعمالهم في ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وغيرها من الدول. وبإحياء الثراث القديم لعلماء الشرق العظيم أصبحوا وبحق “معلمي المعلمين” المتقدمين في عصر النهضة بإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design