اكل لحوم البشر والشدة المستنصرية


كتب : حسام الشبراوى
ايام عصيبة مرت علي المسلمين
الشدة المستنصرية ( 1 )

الجوع لدرجة أكل لحوم البشـر .. الشدة المُستنصـرية

مرت على مصر العديد من الأزمنة السوداء، وذاقت مصر صنوف المعاناة المتعددة على مر العصور حتى ظن أهل كل عصر إنهم يعيشون في العصر الأكثر قساوة وإنهم قد اقتربوا من نهاية الزمان.

إلا إن أكثر الكوارث فتكًا واعتاها قساوة وأبشعها صورًا كانت الشدة المستنصرية التي ضربت مصر في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.

انخفض منسوب المياة وجفت الأراضي الزراعية، مات النبات وهلك الحرث والنسل، فقد الناس أعمالهم وفقدت الأموال قيمتها، شح الرزق وخابت الأماني وظن الناس أن الساعة كادت أن تقوم.

في العام (٤٤٤ هجريًا) أصابت الأقدار غير المحمودة مصر، حيث انخفض منسوب المياه اللازمة للزراعة فشحت الغلة وارتفعت الأسعار. وما زاد الطين بله أن التجار قد ازداد جشعهم لاستغلال المواقف العصيبة، فلقد سارع التجار لتجويع السوق وتخزين الغلال ولم يعد هناك ملجأ سوي الغلة المخزنة في المخازن السلطانية التي لم يعد الخليفة يشتريها.

كان الفصل الثاني من الأزمات الاقتصادية في عهد المستنصر هو الأكثر بطشًا حيث أن الشدة المستنصرية قد بدأت في العام (٤٥٧ هجريًا) واستمرت لسبع سنين عجاف. كان سبب الشدة الرئيسي هو انخفاض منسوب المياه ولكن ما جعلها أعتى أزمة مرت بها مصر هو أسبابها المتعددة والمعقدة. كان السبب الأول هو تدخل (أم) المستنصر تدخلًا فجًا في أمور الحكم، فأصبح منصب وزير الدولة يعطى لمن تريد دون سواه وتعاقب الوزراء عليه حتى إن التاريخ يذكرنا أن الحال قد وصل في فترة من الفترات بتبديل الوزير اسبوعيًا وأحيانًا يوميًا! وهو ما أدى بالضرورة إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد.

لم يعرف المصريين سنين عجاف كهذه السبعة التي أذلتهم، لم تعد هناك حياة كما يعرفها البشر فلقد فقد المصريين الغلة والقمح واللحوم وغيرها من صنوف الطعام. كانت الشدة المستنصرية ضربًا من ضروب الخيال التي يعجز العقل البشري عن تصديقها، فلقد أكل المصريين الميتات والجيف حتى أصبحت الكلاب والقطط تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثري. وبعد فترة ليست بكبيرة اختفت الكلاب والقطط من الشوارع، أما عن سعر رغيف الخبز فلقد بلغ خمسة عشر دينارًا وثمن البيضة الواحدة من بيض الدجاج عشرة قراريط أما رواية الماء فقد بلغت سعرها دينارًا.

قد يعجز العقل عن تصديق هذه الأهوال ولكن أصبحت الأملاك كافة غير قادرة على شراء الموارد التي أصابتها الندرة وهو مبدأ اقتصادي معروف. ذٌكر في التاريخ أن وزير الدولة ذهب في التحقيق في إحدى الوقائع وعندما خرج لم يجد بغلته فلقد خطفها الناس وأكلوها، أما الطامة الكبري فهي أن الناس بدأت تأكل بعضها البعض.

قيــل أن هذه المجــاعة مات بسببها ( ثلــثي ) أهل مصــر .. حتى كان الرجل يمشي مسافات طويلة جداً ، فلا يقابل أحداً آخر إلا بمعجـــزة .. حتى الخليفة نفسه باع ملابسه ، وسلاحه ، وملابس جنده ، ولم يبقّ من آثاره سوى سجــادة روميــة ، و ( قبقـــاب مُرصّع بالجواهر ) .. يبدو أنه لم يجد من يشتريهما منه..

بمعنى آخر :

كل المصــريين الذين يعيشـون اليــوم ، جاءوا من أصلاب الثــلث الأخير من الشعب الذي نجــا بأعجوبة من هذه المجــاعة الأشد في تاريخها .. وإلا لم يكن ليسكنهــا أحد – حرفيــاً –

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design