قصيــدة أندلســــية …. في حلب المحروسة

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

نحن لا نتحدث عن قصيدة “لابن زيدون”، أو “ابن خفاجة”، أو “ابن هاني”، ولا عن موشحة نظمها “ابن زهر” أو “ابن الخطيب” أو “ابن زمرك” في الأندلس العربي الذي امتد على ثمانية قرون.

نحن نتحدث عن فرقةٍ فنيّة تحمل هذا الاسم جاءت إلى حلب لتشارك في الفعاليات الفنية على هامش احتفاليات حلب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006

وترددت في جنبات التراث المعماري الحلبي ممثلاً بأحد خاناتها العريقة ” خان الشونة “أصداءُ الفن الأندلسي الذي خلّفه العرب، وكأننا -بعد خمسة قرون من الرحيل عن غرناطة- ما تزال ظلالنا تملأ المكان هناك: في عمارة الأحياء والحارات والقصور، في الوجوه التي لوحتها الشمس، في العيون السوداء وهي تغفو على إيقاع الزمن العربي الذي تأبي أصداؤه أن تتلاشى.

وليست هذه المرة الأولى، وليست المحاولة الأولى في الربط بين الفن الأندلسي وبين الفن الاسباني المعاصر تأثراً بروح الفن الأندلسي.
* * * * *
إن الخروج السياسي، والتهجير البشري الجماعي الذي حدث إثر سقوط غرناطة ليس يعني مطلقاً خروج كل أثر حضاري تركته تلك السنوات الطويلة التي بلغت ثمانمائة سنة.

ولن نتناول هنا الأثر الحضاري العربي في الموسيقا الأندلسية ومنها الامتداد إلى الموسيقا والغناء والشعر في أوروبا من خلال مجموعات (التروبادرو) وهي عبارة ذات أصل عربي معناها (طراب الدور) فهذا الموضوع أشبع دراسة وأصبح نوعاً من تحصيل الحاصل بالنسبة لسائر الباحثين والدارسين.

إن هذه التجربة الجديدة (فرقة قصيدة أندلسية) التي تؤدي لوناً هو مزيج من الموسيقا العربية الأندلسية مطعمةً باللون الأسباني المعاصر، من خلال مشاركة ثلاث آلات موسيقية هي العود والقانون وهما آلتان عربيتان كاملتان ومعهما آلة الغيتار الأسباني.

وعلى الرغم من أن الفرقة مؤلفة من ثلاثة شبان فقط، إلا أن أداءها كان رائعاً ومتنوعاً، وتمكن مدير الفرقة “سهيل سرغيني” وهو شاب مغربي يعيش في غرناطة من أداء مجموعة من الأدوار من خلال غنائه الجميل بالعربية والأسبانية وعزفه على العود وأدائه الإيقاعي، يساعده شاب مغربي آخر يعزف على القانون، وهو “عبد السلام النيتي”، وشاب أسباني يعزف على الغيتار ويدعى “خورخي مارتينيث”.
* * * * *
استطاعت هذه الأمسية الفنية -على قصرها- أن تقدما مزيجاً من الموروث العربي في الأندلس، متناغماً مع الفن الموسيقي المعاصر في أسبانيا والتأثيرات الموسيقية العالمية المعاصرة، وهكذا قدمت فرقة قصيدة أندلسية لوحة تلاشى فيها الزمان عبر ألف سنة، وكأننا كنا نستمع إلى مطربين ينشدون في رحاب (الزهراء) في قرطبة، أو في (حمراء غرناطة)، وينساب النغم الحزين متماوجاً عبر ضفتي المتوسط ليربط من جديد بين مراكش وغرناطة، وبين فاس وقرطبة، وبين حلب وجيّان.
* * * * *
ونحن في حلب لعلنا نتذوق، أكثر من سوانا، هذا اللون من الفن الأندلسي الذي يحمل في بلاد المغرب تسمية (المالوف). ويحمل لدينا تسمية الموشح وما انبثق عنه من تفصيلات أخــــرى، ويتشكل المزيج الساحر من الموشح بين حلب والأندلس.. ونخرج منه إلى القدود والموال والأهازيج وسائر فنون الطرب والغناء والموسيقى.

(قصيدة أندلسية) في حلب، أمر ليس جديداً، ولن يكون الأخير، وحلب عاصمة الثقافة الإسلامية تستجمع كل ذلك التراث الحضاري الواسع لتصوغ منه قلادة من العلاقات الإنسانية الرفيعة التي تسمو فوق كل خلاف وصراع.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design