كيف نقود الكون إلى برِّ الأمان؟!

كتب/ صبري يوسف _ السويد

لا بدَّ من بناء الإنسان بناءً
حضاريّاً متنوِّراً بكلِّ ما هو تقدُّمي
وعادل وشامل على مساحة جغرافيّة الأرض في كلِّ بلدان العالم

27

إنَّ أحد أهم أسباب فشل الإنسان لقيادةِ الكون هو تخلِّيهِ عن الأخلاقِ وابتعادهِ عن القيمِ الإنسانيّة الرّاقية، وانجرافهِ نحوَ الرُّؤية الجماعيّة القطيعيّة العقيمة، وعدم تركيزه على فردانيّته وحرّيته وكرامته وإبداعه وتوجُّهاته ككائن فردي مستقل له خصوصيّته وطموحاته وعالمه الفسيح الّذي يطمحُ إلى تحقيق أهدافه بأقصى رحاب الحرّيّة، كل هذا جعله تابعاً لما يراه القطيع أو الرُّؤية الجماعيّة القطيعيّة السَّقيمة، إضافةً إلى تركيزه على الاقتصاد وانغماسه في كلِّ ما هو استهلاكي وابتعاده عن كلّ ما هو فرداني وخلَّاق ومتميّز، وهذا ما جعله مُنقاداً بشكلٍ أهوج لما هو سائد حتّى وإن قاده هذا السّائد إلى التّوهان عن الأهداف الحقيقيّة لحياةِ الإنسان والغوص في متاهاتِ وترَّهاتِ الحياةِ، لهذا فإنّ إنسان هذا الزَّمان يحتاج أكثر ما يحتاج إلى تعميق فردانيّته الخلّاقة وحرّيته وأخلاقه وقيمه الإنسانيّة السَّامية، للحفاظ على كرامته وتطلُّعات آفاق رؤاه الإبداعيّة الشّاهقة، بعيداً عن الانجرار نحو الفكر الجمعي القطيعي، كي يحقِّقَ جنباً إلى جنب مع مَن يحمل رؤية حضاريّة إنسانيّة راقية أسمى الأهداف للإنسان دون استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وضمن سياق التَّنوير والحرِّيّة والحفاظ على كرامة الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة أينما كان، وإنَّ تحقيق هذه الأهداف يتطلَّب الكثير من الجهود والمخطَّطات والبرامج والقوانين والدَّساتير الجديدة، كما يتطلَّب الكثير من الوقت كي يتّخذ الإنسان هذه التّوجيهات منهجاً وبرنامجاً وطموحاً له، كي يصلَ إلى الأهداف المنشودة الّتي يسعى إليها. ولهذا لا بدَّ أن تُعادَ صياغة الكثير من القوانين والدّساتير فيما يخصُّ بناء الإنسان كما شرحْتُ في مقالات أخرى، وليس من السّهل تحقيق هذه الطّموحات الّتي أتوخّاها، لأنَّ هناك شبكة معقّدة ومتداخلة من العلاقات تؤدِّي إلى الكثير من المعيقات الّتي تعيق تحقيق هذه الرّؤية للوصول إلى الأهداف الّتي أراها لإنسان هذا الزَّمان، لهذا لا بدَّ من تضافر الكثير من الجهود والعودة إلى نقطة الصّفر في الكثير من مناحي الحياة لبناء الفكر الإنساني التّنويري الرّاقي ضمن برامج تربويّة لكلِّ الأجيال، وزرع هذا الفكر التّنويري بشكل خاص في الأجيال الجديدة، وبناء الإنسان بناءً حضاريّاً متنوِّراً بكلِّ ما هو تقدُّمي وعادل وشامل على مساحة جغرافية الأرض في كلِّ بلدان العالم، وأعرف جيِّداً أن تطبيق هذه الرُّؤية وهذه الأفكار صعبٌ للغاية، ولكن لا مستحيل أمامَ إرادة الإنسان عندما يخطِّطُ بشكل دقيق ويسير بموجب قوانين ودساتير يضعها بحاثة ومفكِّرون وفلاسفة ومبدعون، لتنمية الرُّؤية الفكريّة الفرديّة، بحيث يعمل كل إنسان في موقعه كحالة تنويريّة خلَّاقة، بعيداً عن الرُّؤية القطيعيّة الَّتي أودت الكثير من شعوب العالم ودول العالم إلى بوّابات الجحيم والدّمار والخراب، لأنَّ الفكر الفرداني هو الفكر الَّذي ينبثق منه رؤية تنويريّة متقدِّمة عمّا سبقها، وفي هذا السِّياق أرى أن تقدُّم البشريّة لا يمكن أن يتمَّ إلّا من خلال انبثاق رؤية جديدة متنوِّرة عن سابقاتها من الأفكار، وهكذا عبر هذه الرُّؤية المتقدِّمة عن غيرها نستطيع أن نحقِّقَ المزيد من التقدُّمِ والتَّطوُّرِ والتَّحضُّرِ ونواكبُ أقصى ما يمكن الوصول إليه من حضارةِ العصرِ، ونقضي على كلِّ ما هو رجعي ومتخلِّف واستغلالي، ونعطي لكلِّ فردٍ ومواطنٍ حقَّه في التّفكير والحرّيّة والعدالة والمساواة، بعيداً عن أي استغلال، مركِّزين على تأمينِ حقوقِ الأفراد والشُّعوب وخلق باب المنافسات الإيجابيّة بين الأفراد، كي يسعى كل إنسان إلى تقديم أرقى ما لديه من امكانيّات والقيام بواجبه على الوجه الأكمل، وكل هذا يساعد على تقدُّم المجتمع البشري نحو الأفضل، بشكل سلس ومن دون أي استغلال لأيِّ طرف من الأطراف، ويعيش المواطن الفرد في وطنه ومع بقيّة الأوطان بكلِّ أريحيّة وكأنَّ الكرة الأرضيّة هي وطنه وهدفه الأوَّل والأخير.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design