كيفَ نقودُ الكونَ إلى برِّ الأمان؟!

كتب/ صبري يوسف _ السويد

أينَ هم حكماء وفلاسفة ومفكِّرو ومبدعو هذا العالم
كي يعالجوا واقع هذا العالم المرير ويعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقّه؟!
26
لا أرى اهتماماً ملموساً من قبل الدُّول العظمى ولا من قبل الدُّول النّامية ولا حتّى المتخلّفة، بتبنّي الفكر الخلّاق والرُّؤية الخلَّاقة، ولا أرى اهتماماً بتكريم المبدعين والمفكِّرين والفلاسفة في أغلب التّخصُّصات، ولا يتم بالتّالي الاستفادة من خبرات وإبداعات المفكّرين والفلاسفة في برنامج التّنوير والتّطوير في أغلب بلدانِ العالم، ويبدو أنَّ هناك قوى اقتصاديّة خفيّة أحياناً وظاهرة أحياناً أخرى هي الّتي تتحكّم ببرامج الدُّول على الكثير من الأصعدة، وهذه القوى هي الّتي تحدِّد البرامج الّتي تفيدهم هم، ويركّزون على برامجهم الاقتصاديّة ويقودون العالم واقتصاد العالم كما يحلو لهم وكما يفيدهم هم، تاركين الكون برمّته يسير على مزاجهم بطريقة أو بأخرى، وضاربين مبدعين ومفكّري وفلاسفة هذا العالم عرض الحائط، فأين هي التّوجّهات العالميّة في رفد الرُّؤى التَّنويريّة والحضاريّة والإنسانيّة الّتي تقودُ العالم، أين هي برامج الدُّول الكبري في بناء المجتمع البشري إلى أرقى مصاف العالم، أين هي توجُّهات الدُّول الكبرى في مدّ يد العون للدول الفقيرة والنّامية لرفع مستواها نحو أفضل ما لدى هذه الدُّول من امكانيات؟! إنّنا لو ألقينا نظرة فاحصة ودقيقة وعلميّة وعمليّة وتاريخيّة على أغلب دول العالم، نرى أنَّ البشريّة تسيرُ نحو استفحال بوّابات المشاكل والصِّراعات والحروب والمنافسات السّلبية والخراب والدّماء في الكثير من برامج توجّهاتها، بدليل ما نراه من صراعات متفاقمة بين حيتان هذا العالم، وكل هذا ينعكس سلباً على البشريّة ككل، ويعود بالفائدة على نسبة قليلة وقليلة جدَّاً، تكاد لا تشكِّل واحد بالألف من نسبة سكَّان العالم، في الوقت الّذي من المتوجّب على هذه النّسبة الضّئيلة من البشر أن تهتمَّ بالبشر والبشريّة جمعاء، لا أن تفكِّر بنفسها وبأنانيّة قاتلة حتَّى ولو ذهبت البشريّة إلى أعماق الجحيم، لأنّني وبحسب ما أراه على أرضِ الواقع ومنذ مئات السِّنين وربّما إلى أجل غير مسمّى، أنَّ واقع الحياة الّذي نعيشه يسير نحو مستقبلٍ مجهول وغائص في المشاكل والحروب والدّمار والخراب، إلّا قلّة قليلة هي الّتي تستفيد وهي الّتي تتحكَّم في سير الكون والبشريّة، غير مهتمِّين بأرقى نظريات وأفكار التَّطوير والتّنوير، إلّا إذا كان الفكر لمصلحتهم هم، وإلّا فأين هي برامجهم في تطوير بلاد العالم، أليس من الغباء القاتل أن نرى نسبة مخيفة من أراضي العالم غير مستثمرة، ولا تستفيد منها دولها ولا دول العالم، أليس من الخطأ الفادح أن يكون هناك أطنان من الثّروات الباطنيّة والثَّروات البشريّة والجغرافيّة والمياه لا تستفيد من هذه الدُّول، لا بلدانها ولا بلدان العالم، لأنّ برنامج الَّذين يقودون العالم يتطلَّب أن تبقى هذه الدّول أو هذا الواقع على ما هو عليه من خلخلة وتقهقر، كي يتحكَّموا بما يتحكَّموا به ويسيروا نحو أهدافهم ويحقّقوا أنانيَّتهم، ضاربين أغلب البشر عرض الحائط حتَّى ولو تزلزلَ فيهم الكون والأرض والسّماء، ولهذا أنا غير راضٍ نهائيّاً على الواقع الكوني في توجُّهاته المميتة، لأنّه من المفروض أن يستفيد المجتمع البشري من الفكر المستنير والآراء الخلّاقة والنّظريات الحديثة في تطوير وتنوير البلاد والعالم، لا أن يتمَّ تطوير الكون على مزاج حفنة لا نراها ولا نعرف عنها شيئاً، فقط نراها من خلال استنتاجاتنا، فقد درستُ هذه الظّاهرة وعرضتها على مساحات خيالي وفكري وعالمي، فوجدتُ أنَّ هناك قوى خفيّة تتحكّم بالكون منذ زمنٍ بعيد، وما تزال وستبقى تتحكّم بالكون، طالما لا يوجد من يقف في طريق هذه القوى وطالما لهؤلاء الإمكانيات الّتي تخوّلهم التّحكم بالطّاقة البشريّة وبكلِّ موارد العالم، وأرى أنَّ الكونَ مُستعمَر من قبل هؤلاء بطريقة أو بأخرى، ويحتاج إلى التَّحرر من أنياب هؤلاء الّذين يقودون العالم إلى الدَّرك الأسفل، فعلى سبيل المثال أعرض واقع حال: العراق، لبنان، وسوريا كتوضيح لما أنا بصدده. إنَّ اقتصاد هذه الدُّول يكفي لثلاثة أضعاف سكَّان هذه الدُّول، مع هذا أغلبيّة سكّان هذه الدول تتضوَّر جوعاً، ولو أخذنا العراق أنموذجاً، نجد أن أميريكا رأت أنَّ نظام العراق ديكتاتوري، وأرادت بالتّنسيق مع المعارضات العراقيّة وغير العراقيّة أن تطيح بالنّظام العراقي، كي تحقِّق الدِّيمقراطيّة لهذا البلد الدِّيكتاتوري على حدِّ تحليلاتهم وتذرُّعاتهم! طيّب إذا كان العراق في عهد الدّيكتاتور في أوج ديكتاتوريّته وتسلّطه، كان يمتلك ترسانة اقتصاديّة تزلزل أركان الكثير من الدُّول، وكان قادراً أن يطعمَ كل دول الشرق الأوسط باقتصاده، وأتساءل ماذا استفدنا أو ماذا استفاد العراق من الدِّيمقراطيّة الّتي حقَّقتها أميريكا للعراق بالإطاحة بالنّظام العراقي صدّام حسين؟! لقد جلب سقوط الدِّيكتاتور الويلات والحروب والصِّراعات وخلخلة الاقتصاد، إلى أن أصبح الدِّينار العراقي الّذي كان يجابه الدُّولار، أصبح بمستوى التّبن لا أكثر! والسُّؤال المطروح أيُّهما أفضل لو كان العراق تحت سلطة الدِّيكتاتور صدّام حسين ــ مع أنّني كنتُ وما أزال ضدّ ديكتاتوريّة صدّام حسين وضد كل ديكتاريي هذا العالم ــ ومع هذا نتساءل أيّهما أفضل ما بين نظام صدّام الدّيكتاتوري والنّظام الحالي الدّيمقراطي؟! الجواب هو أنَّ نظام صدّام الدِّيكتاتوري كان نظاماً ممسكاً بزمام الأمور بالقوّة بالدّيكتاتوريّة، أو بأي شيء تسمّيه! ولكنّه ــ رغم ديكتاتوريّته ــ كان يؤمّن للمواطن معيشة كريمة جدّاً، بينما في عهد الدّيمقراطيّة العتيدة هبط الدِّينار العراقي إلى مستوى التّبن لا أكثر، لهذا أقول أنَّ الغرب أو أميريكا وما يشبه أميريكا في تحكُّماتها في بلدان العالم، هم كثيرون، وهناك من يتحكَّم في أميريكا نفسها وبالتَّالي نكون أمام حالات تحكُّم مميتة في بلدان العالم، وهذه التَّحكُّمات الخفيّة تارةً والظّاهرة للعيانِ تارةً أخرى هي الّتي تتحكَّم في هذا الكون واقتصاد الكون وتجرُّه إلى منزلقاتِ الجحيم والخراب والدّمار المميت، وما ينسحب على العراق ينسحب على سوريا ولبنان وأغلب بلدان العالم العربي والآسيوي، وكما قلت آنفاً أنا ضدّ الدِّيكتاتوريّات، سواء في الشَّرق أو في الغرب أو في أيَّةِ بقعة في العالم، لكن قضيّة الدِّيكتاتوريَّات لا تعالج بديكتاتوريّات مضادّة للديكتاتوريّات الصّغيرة، لهذا أشدِّد على أنَّ الدِّيكتاتوريات الّتي تقود العالم بطريقة ما عبر تحكُّمها الاقتصادي والسِّياسي الظَّاهر منها والباطن، هي الَّتي يجب أن نقضي عليها ونجد بديلاً عنها، لا أن نقضي على ديكتاتور بإيجاد ديكتاتور أعتى منه بكثير ونحوِّل البلاد إلى حالة فوضى وخراب ودمار على كافّة الأصعدة والعراق ودنيا الشَّرق أنموذجاً، وهناك عشرات بل مئات الدُّول الآسيويّة والأفريقيّة وفي الكثير من دول العالم تعاني ما يعانيه العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس وليبيا والسُّودان والجزائر واليمن وسائر البلاد العربيّة والأفريقيّة، ولهذا لابدّ من إيجاد فريق كبير من الباحثين في شتّى التّخصُّصات ودراسة الواقع السِّياسي الّذي يتحكَّم في العالم ووضع الحلول النّاجعة عبر مؤسَّسات عالميّة لها دساتيرها الفعّالة على تطبيق رؤاها وبرامجها ودساتيرها، وإلّا ستسير البشريّة من واقع مرٍّ إلى أمرٍّ منه عاماً بعد عام وقرناً بعد قرن، إلى أن تصلَ البشريّة إلى منزلقاتِ ما بعدَ الجحيم وما نراه الآن من كورونا وما يماثل كورونا الشّيء الكثير وكل هذا ناجم عن هذه السِّياسات الّتي تتحكّم في قيادة العالم على حساب جماجم البشر! فإلى متى سيكون هناك نسبة من البشر لا تتعدّى ربّما واحد بالألف من العالم أو أقل بكثير هي الّتي تتحكّم بأغلب اقتصاد العالم وبقيّة البشر في وضعٍ يُرثى له، أين هم حكماء وفلاسفة ومفكِّرو ومبدعو هذا العالم كي يعالجوا هذا الواقع المرير ويعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقّه، ويتم قيادة البشريّة إلى شواطئ الأمان، ويعيش الإنسان بأمان وسلام وهناء وسعادة، بعيداً عن استغلال الإنسان لأخيه الإنسان في شتَّى أرجاء المعمورة؟! إلى متى ستبقى هذه الآمال بعيدة عن التّحقيق وكأنّنا نعيش في عصرِ الكهوفِ، عصرِ القوي يأكلُ الضّعيف، عصرِ الظَّلامِ وشريعةِ الغابات؟! إلى متى سيستمرُّ المجتمع البشري في ضمورٍ فتَّاكٍ في إنسانيّةِ الإنسان، واستفحال القحط الأخلاقي في علاقات بعضِ البشر مع بني جنسهم في هذا الزّمن الأحمق؟!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design