احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 10

كتب/أ.د. محمد البخاري _ طشقند

اللوحة الثانية “الشباب”، نفذها الفنانان التشكيليان نياز علي خال ماتوف وكمالوف بمسحة فلسفية رومانسية مختلطة بمشاعر النشوة والسعادة، ويصور التكوين شابين في حديقة مزهرة، وفتاة مرحة تحمل كتاب وتشير إليهما بحركة إيمائية تعبر عن منتهى الجمال وخالص الحب، في حديقة تملأها أشجار السرو وتحركها الطيور المحلقة وتزيدها أشعة الشمس بهجة وضياء.


أما اللوحة الثالثة “الخصوبة”، فقد قسمت إلى خمسة أجزاء تكمل بعضها البعض من خلال الموضوع المشترك، وتوحي بمضمون الفكرة الأساسية لثلاثي “الخلفية الأبدية”. فنرى الرومانسية والشاعرية وإشراقة الحب على وجوه الفتيات والفتيان وهم مقبلون على حياة جديدة، حالمون بالأفق المضيء والسعادة. التنفيذ الحر لهذا التكوين تعبر عنه الشمس المشرقة الساطعة، والملامح الرومانسية لشخصيات اللوحة، التي جاءت على خلفية تضم منظراً طبيعياً من الريف الأوزبكستاني بشاعرية خاصة عبرت عنها أطياف الألوان في فنون المنمنمات الكلاسيكية التي حملت معها معان كثيرة مستوحاة من التراث الشعبي الأوزبكي لزوار المطعم في موسكو.
وعند الحديث عن طيف الألوان الذي استعاره الفنانون التشكيليون الأوزبك المعاصرون من فنون المنمنمات الإسلامية الكلاسيكية بشكل عام، لا بد أن نتوقف عند الأداء الرائع لريشة الفنانين التشكيليين التي ركزت على اللونين الذهبي والأزرق لخلق التكوين العام للوحة، وتصوير شخصيات اللوحة المستوحاة من الحياة في القرون الوسطى بلمسة سحرية مزجت بين البارد والدافئ لتميز بين الأحداث الجارية في حياة البشر آنذاك. ولكنهما تمكنا من التوصل لحلول إيجابية أخفت التناقض، باستخدامهما للون الأبيض في تصوير الشخصيات. وهذا على ما يبدوا أوجد بعداً فلسفياً لا نهاية له في الاستعارة لتصوير صراع المتضادات، وإظهار قيمة الحياة للإنسان، وإظهار الأفكار الرومانسية التي تعبر عن الطهارة الروحية للإنسان والأمل. وعبرت عنها وبصدق كل العناصر في التكوين العام للوحات من زركشة الملابس، إلى طبقات اللون في الخلفية إلى الخطوط الانسيابية التي حملت معها بعداً موسيقياً عاطفياً أضفى نوعاً من العاطفة والدفئ والصفاء والحركة الدائمة. فتارة كانت الخطوط الانسيابية أقواس متكررة، ضمت بين حناياها الأرابسك في إيقاع موسيقي خاص بلوحة “الولادة”، وفي “الشباب” ضاعت الخطوط ببقع شفافة لتصور غيمه تحمل الخير والعطاء، وأجسام طائرة تعبر عن اتساع الفضاء والحرية، وفي اللوحة الأخيرة “الخصوبة” تحولت إلى ثمار ناضجة من الرمان، رمز الخصوبة والسعادة في التراث الشعبي الأوزبكي.
وكل ذلك يوضح مدى تأثر الفنانين التشكيليين بأستاذهما الكبير تشنغيز أحماروف، وأسلوبه الخاص في توحيد عناصر اللوحة من خلال التقاليد العريقة لأساتذة فن المنمنمات عبر تاريخه الطويل، مع التأكيد على ارتباطه العضوي بخصائص الفن الشعبي التعبيري المتجدد على أيدي فنانين عرفوا تراث أجدادهم وتفهموا بعمق خصائص فن المنمنمات الإسلامية الكلاسيكية العريقة، وأغنوا بأساليبهم المبتكرة النقوش الجديدة التي أصبحت تغشي التكوين المعاصر بشاعرية خاصة، وإبداع روحي متميز مفعم بالعواطف الفياضة، وتتقبل الحياة المعاصرة بتقنيات حديثة استمدت من فن المنمنمات العريق في العالم الإسلامي.
ومن هذا العرض السريع نكون قد تعرفنا على صورة من الصور الأصيلة التي تمثل اتجاهاً متميزاً من بين اتجاهات الفنون الجميلة المعاصرة في جمهورية أوزبكستان، وعلى مدرسة فنية وقف على رأسها الفنان الراحل تشنغيز أحماروف، وفنانين لم يتخلوا في بحثهم الفني والتقني الدائم عن تراثهم الشعبي الأصيل الذي خلفه أجدادهم العظام، ولا عن الوجه القومي المميز للفن الأصيل الذي يميز الثقافة الفنية في آسيا المركزية والعالم الإسلامي، أمثال الفنانين التشكيليين محمد جانوف، وخال ماتوف، ولوغوفسكي، وآداشوف، وكمالوف، وكمباروف، ويولداشوف، وساطي بالدييفا الذين كانوا النواة لقيام مؤسسة “مصور” لتطوير الفنون الجميلة الشعبية الأصيلة في جمهورية أوزبكستان.
ومن دون شك يمكن القول أن نجاح هذا الاتجاه، يكمن في بعث الإبداع الفريد الذي انطلق من إحدى ورشات الفن الشعبي الأصيل في أوزبكستان، وهي ورشة اتحاد “اسطى” وعملت على بعث ألوان من فنون المنمنمات الكلاسيكية التي حوتها الكتب المخطوطة الإسلامية التي كتبت وزخرفت في القرون الوسطى، وضمنت ألواناً بديعة وفريدة من فنون الخط العربي، والتشكيل الفني على الجلد. وفي أعمالهم التي نستشف منها الفرادة والإبداعية لفن الخط العربي، والتقنية الحرفية الرفيعة في الرسوم الدقيقة، ودقة غنى الألوان، والعمليات اليدوية الفريدة والصعبة، ومن ضمنها يأتي أيضاً صنع الورق، والألوان .. وغيرها كصدى لماض عريق يتحدث عنه تاريخ الفنون الجميلة الإسلامية التي كادت أن تندثر في دول آسيا المركزية لولا أولئك الرواد المخلصين الذين أخذوا على عاتقهم واجب الحفاظ على تلك الفنون الرائعة الجميلة وإحيائها.
وتستمر مسيرة الخير والعطاء وتتفتح كل يوم أزهاراً جديدة على أغصان شجرة الفنون الجميلة في جمهورية أوزبكستان بعد استقلالها، ويزهر كل يوم غصن جديد، في رحاب معهد بيغ زاد للفنون الجميلة، وأكاديمية الفنون الجميلة، ومؤسسات التعليم العالي والمتوسطة الفنية الأخرى في أوزبكستان، والتي ومن دون أدنى شك، ستغني، وتلون، وتأتي بثمار ناضجة جديدة تسهم بدورها في الحفاظ على الثقافة الفنية الأصيلة والعريقة والفتية في جمهورية أوزبكستان، وتصب في النهاية بمحيط الثقافة الإنسانية الخيرة، أخذاً وعطاءً في آن معاً.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design