” جنابكن بيت مين “

أبوظبي – الإمارات

كتبت الباحثة ” سها شعبان ”

مجردة من السؤال الذي لا يخيب أبداً في حلب للمبادرة والتعارف :
حضرت حفلاً نسائياً منمنماً …
جاملتني سيدة الحفل .. حادثتني ثم كان عليها أن تلتفت لضيفاتها .. فأجلست إلى جانبي صديقتها المقربة .. بدأ ذهني رحلة النبش في الذاكرة … كيف كان شكل الحياة الاجتماعية قبل الغربة والعزلة؟ بم قد تتحدث سيدتان بينهما مشروع تعارف ؟
بحلب يكفي سؤال ” جنابكن بيت مين ” حتى تكر المسبحة وتُسلسل عائلتان ومسكنهما وجيرانهما وتظهر العلاقة الخفية التي تربط السيدتين .
في الغربة هل أسأل من أي مدينة أنت؟
وأنا أعرف أني سأكتفي منها باسم المدينة بدون شوارع وأحياء وأسماء عائلات .. سيقف الحديث على عتبة اسم المدينة حائراً وسأضطر للنبش في ذاكرتي عن سؤال آخر .. أو أنني سأذكر حلب فتفيض الذكريات وتطغى الأحداث وينتشر الدمار ؟
عادة لا أهتم بالأحوال الشخصية ولا أسأل عنها .. فالزوج والاولاد والاعمار أسئلة اعتبرتها طوال عمري تحرش فضولي ولم أستسغها أبداً ..
فكرت بسؤال ماهي دراستك؟ ثم عدلت عنه فعلى أبواب الستينات تقف الشهادة جانباً .. تطغى عليها الخبرة والهوايات ..
لوهلةٍ شعرت أني كائن فضائي هبط على مجموعةبشرية ..
لا سيما وأنا أتابع مبهورة السيدات اللواتي مسكن الدبكة تراث درعا الجميل .. وبدت حركة أقدامهن متناسقة .. تتنقل بخفة ورشاقة على إيقاعٍ أغنية مفعمة بالحيوية … إيقاع منتظم بخطواتٍ لم يتعلمنها بل انتقلت إليهن بالجينات .. شردت إلى طفولتهن إلى حلقات الدبكة في احتفالات محافظتهن .. إلى زغاريد الأمهات .. وفرح الصبايا .. الفرح العفوي الذي لم نعهده في حلب ! فهنا الملابس أنيقة بسيطة … الاجتماع للفرح وليس لإبهار الأخريات والرقص متناسق جميل لا يشبه في شيء مسابقات هز الأبدان واستعراض الملابس والمجوهرات التي تقام في صالاتنا المكلفة ..
الغبطة التي غمرت الجميع … ذكرتني بجميع القراءات الأدبية والشعرية والفلسفية التي تتساءل عن مفهوم الفرح .. عن السعادة التي تغمر الآخرين … عرفت في تلك اللحظة أن الفرح لا تهب نسائمه على الصوامع العاجية الباردة ولا تلفح المتسائلين … ولا ينضح الفرح من آهات العشاق … عرفت أنه هو الطفل المعتقل المكبل بالثقافة وبآراء المفكرين والشعراء .. هو ذاته عندما تحرره النسوة من مشاكلهن اليومية ومن تعب المهمات الصعبة .. فيطلق جناحيه يصفق يغرد يحوم .. ويخبط بقدمه فيكسر كل الحواجز والأسوار وينتشر ..
خفتت الموسيقى .. التفتت إلي جليستي وبادرتني أنت من حلب؟ أنا من اللاذقية لكنني أعرف سيدة من حلب اسمها أيضاً سها .. ابنها يدرس مع ابني … وبدأ الحديث.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design