” تجلِّيات الخيال ” الجزء الثالث

كتب صبري يوسف – السويد

مريم مشتاوي تُشبهُ غيمةً ماطرةً تسقى عطاشى هذا العالم،
تستوحي حبورها الشِّعري من هديلِ اليمامِ وزقزقاتِ العصافيرِ
1
مريم مشتاوي، شاعرة وروائيّة لبنانيّة مبلَّلة بألقِ النّدى وعبيرِ الزّنبقِ المتناثرِ فوقَ أنغامِ القصيدة، رقيقةٌ مثلَ بتلاتِ الوردِ الجوري، وأزاهيرِ الحبقِ والياسمين الدِّمشقي، تشرَّبَتْ الحرف مثلما تتشرّبُ الأشجارُ رحيقَ الأرضِ بكلِّ خصوبتها وعطاءاتها الخيِّرة، شاعرة وكاتبة بالفطرة الصّافية صفاءَ غيمةِ الصًّباحِ بكلِّ حبورها، تمتلكُ إحساساً مبهراً في تواصلها معَ الحياةِ بكلِّ تلاوينها وحبقِها وفضاءاتِها، يسطعُ الحنانُ من ظلالِ قلبها الملفّحِ بالمحبّة، وتنعكس توهُّجاتها الحنينيّة على نصوصِها الشِّعريّة والسَّرديّة أيضاً، حنينٌ معشَّشٌ في كينونتِها، لشغفِها العميقِ في بهاءِ الجمالِ والطّبيعةِ والحياةِ. جاءتْ إليها الكتابة أكثر ممّا تذهبُ هي إلى الكتابة، لأنّها تبرعمَتْ وتفتّحتْ على ما يساهمُ على انبعاثِ انسيابيّةِ الكتابة، لما في عوالمها من أحاسيس فيّاضة بالحبِّ والفرحِ والبهاءِ والحزنِ والانكساراتِ المتلاطمة في رحلتِها الرّحبةِ في الحياةِ.
افتتنتها طبيعة “كَفتون”، قرية جدّتها، كما افتتنَها البحرُ ونسيمُ اللَّيلِ، وشدّتْها زرقةُ السَّماءِ، وإشراقةُ الصّباحِ أثناءَ بزوغِ الشَّمسِ، بدَتْ لها إشراقةُ الشَّمسِ كانّها إشراقات الشِّعرِ، وراحَتْ روحُها تتعانقُ معَ هدهداتِ الأشجارِ والطَّبيعةِ والحياةِ بكلِّ أفراحِها وأحزانِها على مساحاتِ جموحِ الحرفِ، وترى أنَّ القصيدةَ هي صديقتها الحنونة المحتبكة ببهجةِ الحياةِ، وتنظرُ إلى الأمومةِ كدرجة أولى ولا منافس لها في الحياةِ، ثمَّ يأتي الشِّعرُ ثانياً، لأنّها تمتلكُ حناناً أموميَّاً مفتوحاً على مساراتِ حنينِ الرّوحِ إلى أبهى ما في الطَّبيعةِ اخضرارٍ خلَّابٍ، عندما تنظرُ إلى فراشةٍ وهي تحطُّ على زهرةٍ قريبةٍ منها، تشعرُ وكأنّها كانَتْ يوماً ما فراشةً، أو ستتحوَّلُ يوماً ما إلى فراشةٍ وتحطُّ على أزاهيرِ الكونِ الفوَّاحةِ. كانَتْ وماتزال كائنةً مسكونةً بالقراءَةِ منذُ طفولَتِها، وقدْ مرَّتْ في طفولَتِها أيّامَ الحربِ في بيروتَ في ظروفٍ قاسيةٍ للغايةِ، فقد ولدَتْ في زمنِ الحربِ والأهوالِ المميتةِ، وشاهدَتْ هولَ القصفِ بأمِّ عينيها، وكل ما تتذكَّرُهُ من تلكَ المرحلة المرعبة في طفولتِها، أنّها كانت تختبئُ في تنُّورةِ أمِّها، حيثُ كانَتْ تنوّرةُ أمّها الحامي الأكبر لها، كي لا تُشاهدَ شراسةَ القصفِ والموتِ والدِّماءِ وهي طفلةٌ في سنواتِها الأولى، وظلَّتْ هذه الطُّفولة قابعةً في خيالِها ومرسّخةً في بؤرةِ ذاكِرتِها وحياتِها وجموحاتِ خيالِها، وبقيَتْ محرِّضاً شهيَّاً لتهويماتٍ شاهقةٍ للكتابةِ، فكانَتْ تنبلجُ هذهِ التَّهويماتُ الرَّهيفةُ عبرَ حرفِها بينَ حينٍ وآخر، فهي كائنةٌ مسكونةٌ بوهجِ الحرفِ والجمالِ والحنينِ وانكساراتٍ لا تخطرُ على بالٍ، تُشبهُ مريمُ القصيدةَ الهاربةَ من لهيبِ الحربِ، وجنونِ هذا الزّمانِ، قرأتُ الكثيرَ من أعمالِها وتجلِّياتِ حرفِها، فوجدْتُها تكتبُ الحياةَ بمذاقِ الرّوحِ، وطفوحِ الدُّموعِ المنسابةِ من أعماقِ الأحاسيسِ، تنسجُ حرفَها كمَنْ يترجمُ آهاتِ الزّمنِ فوقَ ناصيةِ الحياةِ، وحضرتُ اللِّقاءاتِ الّتي أُجريَتْ معها، فوجدْتُ القصيدةَ تنسابُ من مآقيها وخدَّيها وشهيقِها وزفيرِها، كأنّها معجونةُ من شهوةِ الشِّعرِ، صقلَتْها الحياةُ منذُ أنْ تبرعمَتْ على وجهِ الدّنيا، ولاحقَتْها الآهاتُ، فلمْ تجدْ أجدى من القصيدةِ كي تصدَّ أحزانَ العالمِ على أعقابِها، فكانَتْ على موعدٍ معَ الحرفِ، معَ الشِّعرِ، معَ السَّردِ، معَ الإبداعِ وكأنّها أوجدَتْ لها المعادل الأقوى للحياةِ وخلْقِ بوَّاباتِ التَّفاؤلِ من أبوابِهِ العريضةِ إزاءَ كل هذه الانكساراتِ الّتي سربلتْها، وعرفَتْ جيِّداً كيفَ تلملمُ أحزانها وتحبكها عبر مساراتِ بوحِ القصيدةِ، وعبْرَ مساراتِ سرْدِها الرِّوائيِّ المعبّقِ بتجلِّياتٍ شاهقةٍ نحوَ أشهى مساراتِ البوحِ، وكانَتْ في كلِّ مرّةٍ تبوحُ ما تجودُ قريحتها، تفرِّغُ أحزانَها وآهاتِها عبرَ دغدغاتِ الحرفِ، فكانَ الحرفُ صديقَها الأقوى في الحياةِ وصديقَها الأقرب إلى نفسِها، وأصدرَتْ ديوانها الأوَّل وهي في مقتبلِ العمرِ بعنوانِ: “حبيبٌ لم يَكُنْ يوماً حبيبي”، ونالَ استحسانَ القرّاءِ والقارئاتِ في ذلكَ الحينِ، وهذهِ التّجربة قادَتْها إلى الغوصِ في مرامي القصيدةِ، وعمَّقَتْ تجربتها بقراءاتٍ متتالية لشعراءٍ وشاعراتٍ كبار مثلَ ريلكه ونيرودا، ثمَّ أصدرَتْ ديوانها الثّاني: “ذكريات في حلم”، وراحتْ تكتبُ ديواناً من وحي الانكساراتِ والأحزانِ الّتي تهاطلَتْ عليها بعدَ فراقِ ابنها أنطوني وهو طفل في سنواتِهِ الأولى بمرضِ السَّرطانِ، وكانَ موتُهُ المبكر صدمةً قاسيةً عليها، ظلَّ فراقُهُ جرحاً لا يندملُ، فلنْ تجدَ سوى القصيدة تعانقُ أحزانَها وآهاتِها، وكتبَتْ من وحي فراقِهِ قصائدَ شفيفةً في غايةِ الرّهافةِ والنّعي، وحملَ عنوان ديوانها الثّالث: “ممرٌّ وردي بين الحبِّ والموتِ”، ثمّ أعقبه ديوانها الرّابع: “هالويين الفراق الأبدي”، ويراودُني هذا التَّساؤل: ماذا كان سيحلُّ بها لو لم ينتشلْها الشِّعرُ من شفيرِ الأحزانِ؟ وبنَتْ صداقةً عميقةً معَ الكتابةِ وأصبحَتْ في حالةِ عشقٍ مع فضاءاتِ الكتابةِ، و”أصدرَتْ روايتَها الأولى بعنوانِ: “عشق”! ثمَّ أصدرَتْ روايتَها الثّانية: “ياقوت”، وروايتها الثَّاثة: “تيريزا أكاديا”، والرّابعة: “جسور الحب”. غزارةٌ بديعةٌ في السَّردِ الرِّوائي تهاطلَ عليها، وقد قدَّمَتْ تجربتَها الرّوائيّة بتقنياتٍ سرديّة شامخة، مستفيدةً من تجاربِها الغزيرةِ والغنيّةِ في الحياةِ، منطلقةً من خيالِها السيّالِ جنباً إلى جنبٍ معَ فضاءاتِ تجاربِها الشِّعريّة، إلى أنْ وصلَتْ إلى أقصى ما تنشدُهُ في بناءِ مملكتها السَّرديّة الشَّاهقة!
تمتازُ الشّاعرة والرِّوائيّة اللّبنانيّة السّوريّة، برهافةِ الحرفِ وجموحِهِ نحوَ عوالمَ رومانسيّةٍ، دافئةٍ في تشكيلِها وانبعاثِ حرفِها وانسيابيّةِ أسلوبِها، شعرتْ أنَّ الحزنَ يدمغُ روحَنا بوهجِ الإبداعِ ويزرعُ في قلبِها تجلِّياتِ الحرفِ. قاومَتْ أحزانَها عبرَ الكتابةِ، وبدأتْ بعدَ وفاةِ صغيرِها أنطوني تنظِّمُ أماسي شعريّة، وأسّسَتْ الصَّالون الثّقافي كي تمدَّ الجسور الإبداعيّة ما بينَ الشَّرقِ والغربِ، رغبةً منها أن تقدِّمَ الشَّرقي مبدعاً ومبدعةً، ودرَّسَتْ برغبةٍ عميقةٍ اللّغةَ العربيّةَ لطلّابها وطالباتها في ربوع لندن، تقدِّسُ الصّداقة وترى أنَّ الصّداقة لها مكانة تتقدَّمُ أحياناً عن الحبِّ نفسه، لِمَا للصداقةِ من دورٍ في العطاءاتِ المتبادلة بين الأصدقاءِ، وتنظرُ إلى الحبِّ على أنّهُ يمكنُ أن يتعرّضَ للانكسارِ بينما الصّداقة على الأغلبِ هي حالةِ صافية راقية، وتساهمُ في ترميمِ انكساراتنا وخيباتنا لما في الصَّداقةِ من مصداقيّةٍ وصفاءٍ ومحبّةٍ طافحةٍ بالعطاءاتِ الرَّاقية.
تُشبِهُ الشّاعرة والرّوائيّة مريم مشتاوي، تنهيدةٌ منبعثةٌ من ضياءِ القمر! مقمّطةٌ بأزهى براءاتِ الطّفولةِ، صديقةُ القصيدةِ والكلمةُ الممراحةِ! تُشبهُ القصيدةَ المنبلجةَ مِنَ مهجةِ الرّوحِ في أوجِ قطافِها، تنسابُ القصيدةُ من معالمِ بوحِها برهافةٍ مبهجة للقلب، تنسجُ شهقاتِها الشِّعريّة وكأنَّها تستوحي فضاءاتِها من غمامِ اللَّيلِ، تُشبهُ انبعاثاتها هلالات نُجيماتِ الصّباحِ وهي في أوجِ تجلّياتِ بوحِ الحنينِ، صورُها الرّهيفة تُشبهُ نضارةَ النَّدى عندَ انبلاجِ الفجرِ، تُشبهُ في أوجِ بوحها صباحَ العيدِ وبسمةُ الطُّفولةِ مرتسمةُ فوق محيّاها، تناغي أزاهيرَ الخميلةِ في ذروةِ حبقِها وشذاها، وتنسجُ شعرَ الحالمينَ على قيثارةِ الشَّوقِ وهي تمعنُ النّظرَ في قبّةِ السّماءِ، تُشبهُ غيمةً ماطرةً تسقى عطاشى هذا العالم، مستوحيةً حبورها الشِّعري من هديلِ اليمامِ وزقزقاتِ العصافيرِ في أوجِ مرحَيهما في بهاءِ الطّبيعةِ، تُشبهُ خلالَ تجلِّياتِها هدوءَ اللّيلِ الغافي فوقَ ضياءِ القمرِ! تنقشُ حرفَها فوقَ وجنةِ العمرِ وكأنّها في قمَّةِ ابتهالاتها وهي تقبِّلُ جمالَ الكون رغمَ ضراوةِ الانكسار! تنظرُ رغمَ كل أوجاعها إلى الحياةِ بتفاؤلٍ، فلا تجدُ مناصاً من الأحزان، لهذا تلجأ إلى القصيدةِ والسّردِ والكلمةِ، وتحقِّقُ توازناً عبرَ الكتابةِ، فتتنحّى الأحزانُ وتزيح قيلاً أو كثيراً من آهاتِهاً جانباً، لأنّها ترى الكتابة كأنّها بلسمُ الحياةِ!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design