إحياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 9

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري.
أطلق الفنان التشكيلي نياز علي خال ماتوف على لوحته الجدارية الأولى اسم “أغنيات عن الأرض” وقسمها إلى تكوينات متشابهة خصص كل منها لموضوع معين “تحرير النساء”، و”تعليم الأميين”، و”الأرض”. ولتقسيم المساحة بالمنظور إلى ثلاثة أقسام، صور الفنان في الوسط آلتي كارناي (كارناي آلة موسيقية تعمل بالنفخ تشبه البوق ولكنها أطول منه كثيراً.) مرفوعتين إلى أعلى، ليبعث الانطباع وكأن صوت الموسيقى، الصادر عن الكارناي، عند افتتاح العرض المسرحي يتحول إلى حزمة من الأضواء. وهي خلفية تتكرر دائماً في الرسوم المنمنمة الكلاسيكية، إضافة لرسمه سجادة معلقة تتفق وتقاليد وأساليب فنون المنمنمات في ما وراء النهر. ولكن التطوير جاء عن طريق تعمده تثبيت الشخصيات الرئيسية على الخلفية، كي تعبر عن الحركة الجارية باتباع أسلوب الجهد المتباين للألوان الباردة والدافئة، اللون الأحمر، والأزرق، والأخضر، التي تخيل للمشاهد صورة العصر الذي يعيشه.
وأطلق على اللوحة الجدارية الثانية اسم “أغنيات عن الماء” وتألفت أيضاً من ثلاثة أجزاء، التكوين المركزي وفيه ثلاثة رجال بملابس قومية وكأنهم يمسكون الشمس في أيديهم، والأشعة البرونزية الحارقة، تجفف الأرض، وتحولها إلى صحراء قاحلة، والقيظ والرمل يقاومان الماء التي تحمي الأرض وتعطي الحياة لكل المخلوقات. ونرى في هذا التكوين تداخل مضامين مستمدة من قصائد “فرهاد وشيرين” لعلي شير نوائي، مع عروض مستوحاة من حكايات الفلاحين الذين شقوا قناة فرغانة للري في النصف الأول من القرن العشرين. والتكوين مرة أخرى يقسم اللوحة إلى ثلاثة أقسام، تختلط أطياف ألوانها مع الموسيقى لتضفي عليها بهجة خاصة.
أما اللوحة الجدارية الثالثة التي حملت اسم “المسرح الشعبي”، فصور فيها المهرجين في مسرح “مسخرة باظ” في المركز ضمن حلبات السيرك الشعبي. وهنا يخرج الفنان عن الموضوع العام للوحة ويدخل مضامين جديدة منها رمزي المسرح قناعي الدراما والكوميديا، وحيوانات مقنعة ترقص، و”داربوز” (داربوز: فنان السيرك الشعبي في آسيا المركزية.) وهو يمشي على الحبل يعرض مهارته مما يوحي وكأنه من خلال المنظر العام يربط كل عناصر اللوحة ببعضها البعض، مستخدماً في ذلك كل إمكانيات اللون الأخضر.
واللوحة الجدارية الرابعة والأخيرة أطلق عليها اسم “أغنيات عن السعادة” تكمل في موضوعها المواضيع الأخرى في التكوين العام. وتمكن الفنان من خلالها عرض سخاء الأرض الخصبة التي تدفئها أيدي الفلاح الوفي. وفي مركز التكوين صور رجلاً مسناً يجلس على خلفية شروق الشمس، وأمامه سفرة طعام غنية، مليئة بالثمار، وإلى جانبيه فتى وفتاة وكأن الرجل المسن يسلمهم أمانة الحياة، ويدعوهما للحفاظ على أرضهم ويحثهما على حبها والسهر على خدمتها. نفذها كلها بالألوان الزاهية التي استخدام فيها اللونين الأبيض والأزرق، وصور على خلفيتها شخصياته بألوان زاهية واثقة ومتناسقة. وكلها جاءت بحس قومي أصيل استمده من مدرسة هيرات للمنمنمات، وفن التطريز القومي “سوزاني”، وعكس من خلالها أصالة الشعب الأوزبكي وجمال أرضه وخصبها، وأدخل من خلال رباعيته تلك أسلوباً جديداً من أساليب المنمنمات في الفن التشكيلي الأوزبكستاني المعاصر.
كما ونفذ الفنان التشكيلي خال ماتوف وبالاشتراك مع الفنان التشكيلي كمالوف مجموعة لوحات جدارية في صالتين من صالات مطعم “أوزبكستان” بموسكو عام 1984، وفق التقاليد واللغة التعبيرية لفن المنمنمات المطلية. وضمت كل صالة سبع لوحات جدارية استمدت مواضيعها من قصائد الشاعر علي شير نوائي، ومن نوادر الشخصية المحبوبة في الأدب الشعبي الشفهي حجي نصر الدين، داخل إطارات أعدت خصيصاً لتلك اللوحات ضمن السياق العام لجدران الصالة التي غشيت بنقوش الـ”غانتش” (غانتش: نقوش وزخارف قومية تنفذ على الجبصين (جبس) الأبيض.).
وضمت الصالة الأولى سبع لوحات جدارية بيضاوية الشكل، حوت كل منها تكوين لفتاة رائعة من الفتيات اللاتي تغزل بهن الشاعر علي شير نوائي في قصيدته “السبع الجميلات”. قام بتنفيذها كمالوف بألوان زرقاء زمردية، تجمعها الوسائل التعبيرية التي تعلمها عند أستاذه الراحل تشنغيز أحماروف.
وفي الصالة الثانية نفذ خال ماتوف لوحات جدارية داخل حزم من النقوش على شكل مثمنات، متكررة بتقنية نقوش “الغانتش”. وتضمنت مواضيع مستمدة من نوادر حجي نصر الدين أفندي. صورها وفق أسلوبه الخاص المستمد من فنون المنمنمات الكلاسيكية مستخدماً المساحة دون بناء محدد للعناصر، ولكن بتصوير يميز الأشكال الرقيقة والجميلة لكل لوحة، مع توجيه عناية خاصة للزخارف التي تضمنت عناصر من نقوش…

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design