أسميته تيودور..

 الإمارات ، أبو ظبي

كتبت : الباحثة سها شعبان

كانا طيري حبٍ مثاليين في توادهما وبصحبتهما الجميلة .. بتناغمهما وصداحهما وحتى بصمتهما ..
ماتت صاحبته .. أو هكذا افترضت أنا لأنني لم أميز يومًا أيهما الذكر وأيهما الأنثى .. فاجتهدت أن أجد له صحبة تسلي وحدته ..
يوم اقتنيته قال لي البائع هذا الطير زكي لا يكفي أن تقفلي عليه باب القفص اربطي أبواب القفص بأسلاك لأنه مع الزمن سيتعلم كيف يفتحه .. أهملت النصيحة .. بل كنت أواظب على فتح باب القفص له كل يوم ليفرد جناحيه ويحط أنى يشاء على نباتات الزينة .. فقد كان يسعدني بتنقلاته الرشيقة في الغرفة .. وملاعبة قططي له .. وكان يكفي أن اربت له باي وقت على القفص حتى يعود فيدخله وأغلق عليه ..
أسميته تيودور .. اسمًا ملكيًا يوافق صلفه واعتداده بنفسه .. في كثير من فسحات تنفسه كان يعود من تلقاء نفسه الى القفص بعد أن يمل من اللعب السمج مع كائنات أكبر منه لا تطير ولاتغرد وتتفحصه بفضول كلما اقتربت منه .. لكنه كان يتقافز بفرح عندما أضعه بقفصه مغلقًا على الشرفة .. ويرمي من طعامه لطيور أخرى تأتي قتنقرها من حوله ..
في يومٍ خريفي تسللت نسماته إلى الغرفة .. خطر لي أن أخرجه ليتنسم الهواء المنعش .. وانشغلت عنه .. وعندما عدت .. وجدت باب القفص مفتوحًا .. وكان تيودور يتقافز بأرض الشرفة .. سارعت الى القفص وربّتُ عليه .. نظر إلي وهمّ أن يتجاوب كعادته … في تلك اللحظة بالذات .. حطت حمامة برية إلى جانبه و طارت بلمحة عين ففرد جناحيه ولحق بها … حلّق عاليًا .. دار دورة واسعة وعاد ليحلّق أمامي فوق رأسي وأنا أربت له بإلحاح .. أربت بإيمان على القفص ..
وأعاد دورته وأعادها مراتٍ ومرات وفي كل مرة تتسع له السماء فتتأخر عودته عن المرة السابقة ..
و في كل مرة كان يمرأمامي كان يطلق حنجرته بصيحات فرح كطفل تعلم السباحة وينادي أمه لتشهد نجاحاته الأولى .. بدت لي صيحاته يومها تملأ الأجواء وكأنه الطير الوحيد في السماء .. صيحات فرح وكأنه امتلك السماء ..
لم اصدق أنه سيتخلى عن كل ماوفرته له في القفص من العاب وحبوب وماء .. لم أصدق أن كل مناغاتي له وملاعبتي ومساحة الحرية التي كنت أمنحه إياها لم تجعله يشعر بالحنين ليعود .. تركت القفص مفتوحًا .. تركته لأيام مفتوحًا وأنا أجدد له الحبوب والماء ..
لم يعد؟ بل عاد .. عاد في تحليقه وصياحه في ذلك اليوم وفي اليوم الذي تلاه وربما في أيام تلت … لكنه لم يعد للقفص ..

يوم طار تيودور سحب بمنقاره خيطًا دقيقًا… لم أكن لألاحظه لولا أنه التمع في أشعة الشمس …وشق في شرنقتي فرجةً لضياء لم أعهده من قبل .. فرحت أتلمس الجدران الحريرية حولي … تلك الجدران كنت قد اعتدت ملامستها كما اعتدت التوسد على وسائدها الهشة ..
كانت عالمي السحري وكنت أظن أني حكتها ببراعة وجمال … صرفت فيها عمرًا وأنا أغزلها .. نفثت فيها من روحي لتبدو متماسكة …
ولحظة فرد أجنحته الملونة وطار تحسست كتفيّ وشعرت بولادة أجنحتي …

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design