الحكومات المدعومة بالبيانات أكثر مرونة ونجاحاً في مواجهة “كورونا”

دبي – الإمارات العربية المتحدة

متابعة / عاطف البطل

 تفرض الأزمة الصحية التي يمر بها العالم نتيجة لتفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد – 19” على الحكومات أداء أدوار ومهام أوسع للحد من التأثير النفسي السلبي العميق لوباء كوفيد-19 على الناس عالمياً، الأمر الذي يتطلب تبني مقاربات قائمة على التكنولوجيا والعلوم المتقدمة، والاعتماد بشكل أكبر على البيانات التي تمثل ممكنا للجهود الحكومية لمواجهة تحديات الوباء.

وتطرقت جلستان افتراضيتان نظمتهما القمة العالمية للحكومات ضمن سلسلة الجلسات التفاعلية الرقمية “الحكومات وكوفيد – 19” التي تتواصل حتى 26 يونيو الحالي، وتهدف إلى تعزيز دور الحكومات في الاستجابة للجبهات الجديدة التي فتحها فيروس كورونا المستجد، وتشكيل مستقبل الحكومات في حقبة ما بعد فيروس كورونا عبر تحليل آخر التطورات وآثار الفيروس على الحكومات في جميع أنحاء العالم.

التوترات المجتمعية ووباء كوفيد-19… هل العالم في خطر؟

وتحدث الدكتور آري كروجلانسكي الأستاذ الدائم في علم النفس لدى جامعة ماريلاند، حول تخطي العالم للوباء نفسياً، والتعامل مع الضبابية الناتجة عنه وكيفية الخروج منها، خلال جلسة تحت عنوان “التوترات المجتمعية ووباء كوفيد-19… هل العالم في خطر؟”، التي أدارتها رئيس تحرير صحيفة “ذا ناشونال” مينا العريبي.

وأشار كروجلانسكي إلى وجود حوالي 21 مليون عاطل عن العمل في الولايات المتحدة وحدها، ما تسبب بضربة نفسية سلبية عميقة للناس، إضافة إلى العدد الكبير للضحايا الذي تجاوز 400 ألف شخص حول العالم والتأثير السلبي الشديد على الاقتصاد العالمي.

وقال: “تتنوع الأمور السيئة التي قد يعاني منها الناس في خضم هذا الوباء، فبعضها يتعلق بالبقاء جسدياً، وأخرى متصلة بالاقتصاد والتمويل، وأخيراً الوحدة والعزلة. لكن قد تتفاجأ عندما تعلم أن كل هذه العوامل مرتبطة ببعضها، وتتسبب بذات التهديد الأساسي، وقد تتساءل عن ماهية ذلك التهديد: هو تهديد لإحساس الناس بمعناهم الوجودي وأهميتهم الشخصية”.

وأضاف كروجلانسكي: “تشكل الحاجة إلى المعنى والأهمية وكسب الاحترام دافعاً بشرياً رئيسياً ناقشه فلاسفة اجتماعيون بارزون ، من أرسطو إلى سارتر، ويمثل فقدان الأحبة والوظائف والقدرة على إعالة الأسرة والحياة الخاصة، تهديدات لأهمية الإنسان ومعنى وجوده، إنها أمور تمثل خطر حرماننا من القوة، وتجريدنا من كرامتنا، وحرماننا من إنسانيتنا”.

وقال رداً على سؤال حول دور الحكومات في هذه الظروف العصيبة: “يُعد دور الحكومات الأكثر الأهمية، حيث يطالب الناس في أوقات كهذه بقيادة قوية وحكيمة ومتعاطفة تؤكد لهم أهمية حياتهم وتحس بمعاناتهم وتطمئنهم بأن الحكومات لن تسمح بزوالهم”.

وأضاف كروجلانسكي: “تحدد هذه النتائج مهمتين رئيسيتين للحكومات في خضم أزمة كورونا، الأولى هي توفير المحبة والرعاية لتمكين الناس، بمعنى إحساسهم بدعم الحكومة لهم خلال الأزمات، والثانية مواجهة ومكافحة الاتجاهات السلبية والكراهية، وتوجيه الناس في اتجاه إيجابي”.

وقال رداً على سؤال حول مدى اعتبار المخاوف الصحية العامة، مثل فيروس كورونا، أكثر فتكاً وزعزعة للاستقرار من أعمال الإرهاب: “إن نفسية الإنسان مرنة؛ فننتبه إلى شيء واحد في وقت واحد. التهديد الأبرز في هذه المرحلة يأتي من الوباء، لكن التهديد الإرهابي يتزايد رغم تحول انتباهنا عنه، لأن اليمين المتطرف والأنواع الأخرى من الإرهاب تكثف دعايتها، وجهودها للتجنيد، وحتى هجماتها. لكننا لا نخشى من ذلك كثيراً الآن، حيث تحول انتباهنا الفردي إلى مكان آخر. لكن يجب على الحكومات والمجتمعات أن تبقى متيقظة، لأن الإرهاب لن يزول”.

وأشار كروجلانسكي إلى دور المنظمات الدولية التي يجب أن تشكل صوتاً بارزاً في تأكيد الاهتمام بالعالم ككل، وتعزيز التضامن والمساعدة المتبادلة وانتشارها ووضوحها وحضورها، مؤكدا أهمية المنتديات العالمية مثل القمة العالمية للحكومات والمنظمات الأخرى في تحقيق الخير للمجتمعات.

البيانات وبناء نظم مالية عالمية أكثر مرونة

وتحدث ديفيد كريج، الرئيس التنفيذي لشركة ريفينتيف، إحدى أكبر مزودي البنية التحتية وبيانات الأسواق المالية في العالم، وسعيد العور، رئيس منطقة الشرق الأوسط لدى شركة روتشيلد وشركاه، وهي مجموعة استشارية مالية مستقلة رائدة، في جلسة أخرى بعنوان “كيف ستساهم البيانات في بناء نظم مالية عالمية أكثر مرونة؟”، أدارها أكسل ثريلفول رئيس التحرير في وكالة أنباء “رويترز”.

وأشار كريج إلى زيادة هائلة في جمع البيانات، مؤكداً أهمية تركيز الشركات والحكومات بشكل أساسي على البيانات، وقال: “ابتدع أحد الأشخاص عبارة منذ خمسة عشر عاماً تقريباً تقول بأن البيانات ستصبح النفط الجديد، وأعتقد أن البيانات هي الطاقة الجديدة في العالم الحديث، وانتقلت من التماثلية إلى الرقمية، وتضاعفت سرعة وترددات البيانات وصحتها 10 مرات منذ ظهور تلك العبارة، ونرى تأثير ذلك يومياً في كل ما نفعله”.

وأضاف كريج: “أعتقد أن إحدى الاتجاهات الشائعة الأهم تتمثل في قدرة أي شركة على استهلاك البيانات واستيعابها وتفسيرها والتصرف بناءً عليها، وتطبيق ذلك عبر ربط مراكز المعلومات في إداراتهم، سواء في الإدارات الحكومية أو الشركات الكبيرة، إن الرابح والخاسر سيتم تحديده وفقاً للقدرة على تفسير ذلك والتفاعل معه بشكل يومي”.

وتابع: “يجب على كل الشركات التحول إلى شركة بيانات فعلياً، وستنجح الشركات التي تتسم بالمرونة وتحقق ذلك بتفوق وتطبقه على نطاق واسع، وينطبق هذا الحال على الحكومات أيضاً، وأعتقد أن الحوار حول الشفافية مهم جداً، فكلما زادت الشفافية نمت معها الاستثمارات التي ستجذبها والثقة التي ستكسبها”.

وناقش كريج أهمية الشفافية والإفصاحات خصوصاً في ما يتعلق ببيانات وإحصاءات كوفيد-19، وقال : “إذا انخفضت الشفافية، ستختفي معها الثقة وتزداد أزمة الديون. أرى حالياً عدة أماكن تعد فيها الشفافية والثقة في البيانات على مستوى الدولة أمراً مهماً جداً. فيُمكن القول إن الإفصاح عن الأخبار السيئة أفضل من محاولة إخفائها، لأن الثقة ستنخفض أكثر إن تم اكتشافها”.

من جهته، تحدث سعيد العور عن حيوية توفير المزيد من البيانات والمعلومات، وقال: “حين لا يوفر أحد ما قدراً كافياً من الإفصاحات أو الشفافية بشأن البيانات، يكون رد الفعل البشري بطبيعة الحال أن تعتبر ذلك مريباً إلى حد ما، تحتاج الحكومات إلى إدراك أنها إذا لم تفصح، سيميل الناس إلى التحفظ، ثم إلى الخصومة وعدم التصديق. سيتبنى الناس دائماً وجهة نظر أكثر تحفظاً بغض النظر عما تقوله. هكذا ننجز أعمالنا من منظور الاستثمار”.

وأضاف العور: “هناك كثير من الأشياء يمكنك فعلها لتحسين توافر البيانات، إذا بدأنا من منظور تنظيمي، نرى أشياءً بسيطة مثل أسواق الأسهم في المنطقة، ومستوى عمق التقارير المتوفرة في هذه الأسواق التي لا تمكّنك في جميع الأوقات. تمتلك الشركات المختلفة ممارسات مختلفة، وليس هناك اتساق في توافر البيانات، حتى مع الشركات المدرجة”، مشيرا إلى أن الحكومات تحتاج إلى الإفصاح عن البيانات بشكل أفضل وعلى نطاق أوسع حول النشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن تغيير نمط البلدان ليس بالأمر السهل، مؤكدا أن لدينا قيادة في المنطقة مصممة على إحداث تغيير بطريقة إيجابية، وأن دول المنطقة تحتاج إلى استخدام هذا التغيير في العقلية، والرغبة في التكيف مع الواقع المتغير، كفرصة للتوافق على المستوى الحكومي لجمع المعلومات بشكل أسهل.

وقال العور: “تمنع عقلية الصومعة مشاركة المعلومات، ونرى ذلك أحياناً، أعتقد أن ذلك يتحول إلى عقبة كبيرة أمام الحكومات لاتخاذ القرار الصحيح. لذلك، أعتقد أنها فرصة يُستفاد منها كثيراً، وأن الأشهر والسنوات القليلة المقبلة ستبين لنا ما إذا أنجزوا ذلك أم لا”.

وتطرقت الجلسة إلى الأهمية المتزايدة للبيانات البديلة، أو المعلومات التي تم جمعها من مصادر المعلومات غير التقليدية، في مقابل البيانات الأساسية. وقال ديفيد كريج إن جمع وتحليل هذه البيانات البديلة التي يمكن أن تخبر المستثمرين بما هو قادم مستقبلاً، ويمكن أن تقدم رؤى أبعد من تلك التي تم جمعها من مصادر البيانات الأساسية المنتظمة، والتي تبدو في الغالب متخلفة.

وأضاف: “أعتقد أن جزءاً من الثورة المرتبطة بالبيانات البديلة الآن هي إنترنت الأشياء والأجهزة المحمولة، والطريقة التي يمكنك من خلالها بالفعل جمع المعلومات حول نشاط الإنسان والآلة، وبيانات الأقمار الصناعية، والتي أصبحت الآن طريقة أسرع وأسهل بكثير لتجاهل القيود التنظيمية والحكومية في بعض الأحيان”، موضحا أن الحدود بين البيانات البديلة والبيانات الأساسية تتغير، وما هو بديل اليوم قد يصبح أساسياً في وقت لاحق.

جلسات افتراضية حول 7 قطاعات حيوية

كانت مؤسسة القمة العالمية للحكومات أطلقت الشهر الماضي سلسة الندوات الرقمية بعنوان “الحكومات وكوفيد-19” التي تناقش تأثير جائحة فيروس كورونا على حكومات العالم واستشراف مستقبل العمل الحكومي بعد هذا الوباء. من خلال استضافة 30 متحدثاً وخبيراً وقيادياً حكومياً عالمياً. وتهدف السلسلة إلى تعزيز دور الحكومات في الاستجابة للتحديات الجديدة التي فرضها فيروس كورونا المستجد واستشراف مستقبل الحكومات في عصر “ما بعد فيروس كورونا” من خلال تحليل آخر تطورات وتأثيرات الفيروس على العمل الحكومي في جميع أنحاء العالم.

وتُعقد سلسلة “الحكومات وكوفيد-19” عبر الإنترنت لاستعراض أحدث التطورات المتعلقة بفيروس كورونا ومناقشة آثاره على 7 قطاعات حيوية: التعليم والرعاية الصحية والاقتصاد والأمن والبنية التحتية والحوكمة والقيادة.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design