احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 8

كتب/أ.د. محمد البخاري _ طشقند

من الفنانين التشكيليين الأوزبك الذين يعتبرون فن المنمنمات عنصراً رئيسياً في التراث الفني الشعبي الأوزبكي، عبد الواسط كمباروف الذي تعمد تصوير شخصياته ضمن تكوين معين ومواضيع مرتبطة بالأدب والشعر والتراث الشعبي في لوحاته، واستمد من أجل تصوير المشهد الدرامي في اللوحة مواضيع من الشعر الأوزبكي الكلاسيكي، ولكن بأسلوب جمالي خاص مشبع بالألوان الطبيعية المتميزة. وأكثر مواضيعه استمدها من الشخصيات الرئيسية في قصائد علي شير نوائي، مثل لوحته “فرهاد وشيرين”، التي رسمها عام 1983 وصور فيها شيرين كـ”ملكة للفرسان”، دون أن يفقدها ملامح الأنوثة، وعبر في نفس الوقت عن الدهشة البادية على ملامح وجه فرهاد. وقد حاول كمباروف من خلال هذا التكوين إعطاء ملامح تعبيرية خاصة لكل شخصية من شخصيات اللوحة، فخص فرهاد بملابس جميلة، وشيرين تمتطي جواداً مزيناً بمختلف الزخارف، وإلى جانبها خادمتين تحملان مظلات تظللها، وخلف فرهاد فتاتين جميلتين. ونعتقد أن كمباروف تعمد وضع شيرين وحصانها في مركز التكوين لتكون قريبة من المشاهد، ووضع فرهاد وهو يفتح الماء للشعب بعيدة بعض الشيء وفق الأسلوب الأوروبي في بناء تكوين اللوحة وخلق الأبعاد اللازمة للتكوين. مما يجعلنا نستنتج أنه تعمد الدمج ما بين مبادئ المنمنمات الشرقية التقليدية، وأسلوب الأيقونة، وهو من أجل ذلك تعمد تضخيم حجوم الشخصيات الرئيسية في اللوحة، في الوقت الذي عكس الدهشة والاضطراب على وجوه الشخصيات الثانوية وهم يراقبون العمل الخارق الذي قام به فرهاد ضمن إطار التكوين العام للوحة.
ومن الفنانين التشكيليين الذين تأثروا بأساليب فنون المنمنمات الإسلامية، وأساليب فن الغرافيك في تصويرهم لمواضيع شعرية تراثية تلامس تقاليد الفنون الشعبية القديمة بالتاباييف، وبوريخانوف، وزايتوف، وعسكر حجاييف. التي تعتبر أعمالهم أقرب منها إلى الغرافيك من المنمنمات، رغم أسلوبها الذي حاولوا من خلاله محاكاة أساليب فن المنمنمات التقليدي. ولهذا يمكننا أن نقول أن فناني هذه المجموعة وجهوا جل اهتمامهم نحو التعبير الانطباعي، وزيادة النقوش والزخارف مع التركيز على التفاصيل المعمارية وتفاصيل الملابس في التكوين العام للوحة. وانحصر دور الألوان في إطار بناء الحجوم والأشكال والتعبير عن الحدث العام وتفاعلاته ضمن إطار اللوحة. ويظهر هذا الأسلوب في لوحات بالتاباييف، وعسكر حجاييف، ونذيروف. بينما تختلف عنها في رسوم ساطي بالدييفا التي تعكس الأسلوب الواقعي في التصوير بمهارة بالغة تتناسق معها الأشكال التقليدية لفنون المنمنمات الكلاسيكية، من حيث الألوان الجميلة، والزخارف الجميلة، وحركة انتقال المتضادات، في الألوان المحلية من ناحية، وفي التصوير الواقعي للأشكال والمناظر الطبيعية من ناحية ثانية. إضافة للتعبير السلوكي من خلال سمات وجوه شخصيات اللوحة. وهي كلها من خصائص الأعمال الفنية الجيدة. كما هي الحال في لوحات “عيد الحصاد”، و”استراحة في الحديقة”، و”العاطفة”، و”الربيع” (1982-1983)، التي استمدتها كلها من مواضيع تراثية شعبية.
بينما نلاحظ أن أكثر الفنانين التشكيليين الشباب الأوزبكستانيين خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين صبوا اهتمامهم بشكل واضح على مواضيع معروفة مستمدة من مؤلفات الأدباء والشعراء الكلاسيكيين الأوزبك. وأنها وفي أكثر الحالات انطلقت في تكويناتها من الملامح المميزة لكل فنان تشكيلي، ومن أساليب جديدة للتعبير عن مواضيع معروفة كقصيدة “يوسف وزليخة”، و”ليلى ومجنون”، و”فرهاد وشيرين” التي كتبها الشاعر الخالد علي شير نوائي، ويعتبرها الشعب الأوزبكي قمة للأدب العاطفي. إضافة لقصائد شعراء القرون الوسطى في العالم الإسلامي. ويلاحظ أنهم نفذوا لوحاتهم في هذه المرحلة انطلاقاً من تفكير فلسفي واضح يعبر عن حياة الإنسان. وأن الإنسان وحياته وأحاسيسه ومشاعره كانت على الدوام مصدراً للإلهام الإبداعي لمختلف أجيال الفنانين التشكيليين في أوزبكستان.


وعند الحديث عن الجداريات المنفذة بتقنية وأساليب فنون المنمنمات الكلاسيكية فنرى استخدام الفنانين التشكيليين للألوان المائية في عام 1984، عندما نفذ الفنان التشكيلي نياز علي خال ماتوف رسوماً جدارية في مسرح عالم حجاييف في مدينة غولستان بولاية سرداريا، مستخدماً فيها أسلوباً غير مألوف من قبل. فقد استخدم خال ماتوف في لوحاته الألوان المائية، ونشارة الخشب، والورنيش، وتطلب العمل منه الرجوع إلى مراجع مختلفة، وتجربة خلطات ألوان مبتكرة، مستفيداً من نصائح أستاذه الفنان التشكيلي الراحل تشينغيز أحماروف. وكل ذلك تم أثناء الأعمال التحضيرية، وقبل أن يبدأ بإعداد مخططاته اللازمة لتنفيذ مشروعه الجريء، الذي اعتمد فيه قبل كل شيء على التراث الشعبي الفني وعلى تقاليد وتقنيات فن المنمنمات التي أبدعها الفنانين الكلاسيكيين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه نجح في ابتكار أسلوب جديد، استوعب فيه كل تقنيات المنمنمات الكلاسيكية، ووصل بها إلى مدخل فريد يعتمد لغة الفن التشكيلي الحديث للتعبير، الذي اكتشفه أثناء دراسته للتجارب الفنية السابقة.
والتكوين العام للوحة كان عبارة عن أربع مربعات للوحة جدارية واحدة، تؤدي وظيفة هامة ضمن الديكور العام للمسرح، وتشكل حاجز صناعي وجدار متحرك على خلفية المسرح. ولهذا لم تتوقف أبحاثه عند التقنيات، بل تعدتها إلى دراسة تاريخ مدينة غولستان وواقعها المعاصر، ونماذج كثيرة تتحدث عن تقاليد المسرح الشعبي الأوزبكي واكسسواراته، والفنون الشعبية الأوزبكية، وخاصة منها الفنون الاستعراضية الشعبية. إلى أن تمكن أخيراً من الوصول لتصميم يعكس الأصالة في التكوين نفذه على خلفية فن التطريز والسجاد القومي. ليبدوا التكوين بعد تنفيذه وكأنه ينبع من خلفيات نباتية مزخرفة.
فقسم مساحة كل لوحة جدارية إلى ثلاث أجزاء رئيسية، عكست كل منها صورة من صور حياة ومعيشة الشعب الأوزبكستاني، مع مراعاة أن يكون كل تكوين منها وكأنه لوحة مستقلة، على الخلفية المستمدة من الموضوع العام والتي توحدها اللغة التشكيلية التي نفذت اللوحة الجدارية من خلالها ومكنته من العثور على مبدأ شامل لاستخدام الألوان في كل اللوحات الجدارية الأربعة، لتكمل بعضها بعضاً، وتمنع التضارب بين الألوان المستخدمة وديكورات خلفية المسرح، ولتصبح جزءاً أساسياً منها.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design