أسماء خلّدها التاريخ ( جابر بن حيّان – ت 200هـ / 815 م ) .

كتب : د.حسين مصطفى العبو

يكمن الحسّ الاستكشافي المبكّر عند بعض العلماء المسلمين في اهتمامهم بالمباحث الكيميائية ، و لا سيّما الكيميائي المشهور “جابر بن حيان”« المعروف عن الأوروبيين باسم جبير Gebir »([1])، و الذي كان توّاقًا إلى البحث و الاستقصاء و الاختراع ، وسبّاقًا إلى كلّ جديد ، متسلّحًا بالتجربة و الملاحظة ، و هذا ما كان يعبّر به دائمًا « عن منهجه في وصيته الشهيرة لتلاميذه بقوله : ” و أوّل واجب أن تعمل و تجري التجارب ؛ لأنَّ من لا يعمل و يجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان ، فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة»([2]). و قرن الملاحظة بالتجربة ، إذ يعدّ « أوّل من استخرج حامض الكبريتيك و سمّاه زيت الزّاج ، و أوّل من اكتشف الصّود الكاوي ، و أوّل من استحضر ماء الذهب، و درس خصائص مركّبات الزئبق و استحضرها »([3]).

   أضف إلى ذلك أنَّ نسبة لا يستهان بها من كتب جابر اشتملت « على بيان كثير من المركبات الكيماوية التي كانت مجهولة قبله ، كماء الفضة ( الحامض النتري ) و ماء الذهب و البوتاس و ملح النشادر ، و حجر جهنم ( نترات الفضة ) و السليماني و الراسب الأحمر ، و كان جابر أوّل من وصف في كتبه أعمالًا أساسيّة كالتقطير و التصعيد و التبلور و التحويل »([4]).

     و قد أدّى التزامه الحثيث بمبدأ التجربة إلى اكتشاف بعض الفرضيات ، و الخروج ببعض النتائج التي تقارب مفاهيم الدرس العلمي الحديث ، مثل قوله بأنَّ « مركبات النحاس عند تعريضها للهب تكسبه لونًا أزرق ، و هو ما أثبتت صحته النظرية الذرية الحديثة»([5]).

     و لا يستطيع أحد أن ينكر الأثر البالغ الذي تركه ” جابر ” في الغرب ، حيث انبرى بعضهم للتعريف بمنجزات هذا العلَم ، كما حدث « في عام 1923 و في مقال بمجلة إيزيس الشهيرة بعنوان ” فحص نقدي لأعمال برتيلو في الكيمياء العربية ” ، تكفّل العلّامة الإنجليزي ” هولميارد ” ، أستاذ الكيمياء بجامعة ” كلفتون ” و المتضلع في اللغة العربية بتبيان خطأ برتيلو و أشياعه بحجج علمية دقيقة و مسهبة ، مثبتًا أنَّ كتاب ” المجموعة الكاملة ” منقول عن كتاب لجابر اسمه ” الخالص ” ، و أنَّ جابرًا يستحقّ – عن جدارة – لقب مؤسس الكيمياء ؛ لأنَّه كان يفضل العمل في المعمل ، عازفًا عن التأمّل العقيم ، و أنَّ رؤاه جلية و أبحاثه منضبطة »([6]).

     و ليس أدلّ على ذلك من ذيوع هذا الاسم و انتشاره في الأوساط الكيميائية إلى« الحد الذي كانت الكيمياء تسمى باسمه في العصور الوسطى ، فقد كانوا يقولون : علم جابر »([7]).

      و تبعًا لذلك ، و اعترافًا بما جاء به جابر« ظلّ تدريس الكيمياء في الجامعات الأوروبية حتى أوائل القرن الخامس عشر مقصورًا على تدريس مؤلفات جابر، قرابة خمسمئة عام »([8]).

________________________________________________________________________________________________________

* المصادر و المراجع :

( 1 ) ديورانت ، ول و إيريل :  قصّة الحضارة ” عصر الإيمان ” ، ط  دار الجيل – بيروت ، و جامعة الدول العربية – تونس ، ج 13 / ص188. 

( 2) باشا ، أحمد فؤاد : التراث العلمي للحضارة الإسلامية و مكانته في تاريخ العلم و الحضارة ، ط 1 دار المعارف ،القاهرة – مصر 1983 .، ص153 . 

( 3 ) أبو خليل ، شوقي : الحضارة العربيّة الإسلاميّة ، ط1 – دار الفكر، دمشق – سوريا 1994م ، ص 521 .

( 4 ) لوبون ، غوستاف : حضارة العرب، تر: عادل زعيتر ،ط مؤسسة هنداوي ، القاهرة – مصر 2013  . ص490. 

( 5 ) فؤاد باشا ، أحمد : التراث العلمي للحضارة الإسلامية ، ص154 . و ينظر : عاشور ، سعيد عبد الفتاح ، الحياة الفكرية و العلمية في الإسلام ، ص117 .  

( 6 )  الخولي ، يمنى طريف : بحوث في تاريخ العلوم عند العرب ، ط مؤسسة هنداوي سي آي سي ، المملكة المتحدة ، 2018  ، ص743 . 

( 7 ) عبد الفتاح ، علي : أعلام المبدعين من علماء العرب و المسلمين ، ط1 – دار ابن حزم ، بيروت – لبنان ،  2010.  ، ص754 . 

( 8 ) الخولي ، يمنى طريف : بحوث في تاريخ العلوم عند العرب ، ، ص50 .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design