احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 7


كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري.
كما نرى الأسلوب الفني لنياز علي خالماتوف أنه يتميز بالدمج السريع بين الحركة الواسعة والكبيرة التي تضفي الشجاعة على ملامح أبطاله، وكلها تعكس من خلال الأوضاع المميزة التي اختارها لشخصياته، وبأسلوب مميز انفعالات أبطاله وأحاسيسهم، بالحزن، والسعادة، والأهوال، والبهجة، والخيبة كما نراها في لوحاته (“الاحتفال الشعبي”، و”إحراق الحجاب” وغيرها (عام 1982).
وتظهر محاولات خالماتوف لبعث أساليب وأشكال الرسوم المنمنمة في القرون الوسطى، وفي نفس الوقت نراه يركز على تحريك الأفكار لتعكسها لوحته من كل الجوانب الإبداعية. وهو ما نستطيع مشاهدته في أعماله الجدارية، التي أبدع فيها وبروح من المعاصرة من خلال إضافاته وأسلوبه الفني وابتكاراته الجديدة التي أخذت مكاناً لها في تقاليد فنون المنمنمات القومية المعاصرة، إضافة لنجاحه بتقديم حلول جريئة عرضها في تجاربه التقنية المختلفة. وهي التي مكنته منها على ما نعتقد أحاسيسه الفنية الرقيقة، وسعيه الدائم للمعرفة واكتشاف الجديد في أعماله الصعبة وغير المألوفة للناقد المحلي، والمميزة بالرموز الملونة، والأشكال المستعارة التي ساعدته دائماً على اكتشاف العمق الفلسفي للتكوين. وهو ما ساعده على تكوين الأسلوب الخاص المتميز لأعماله الفنية التي عكست بشكل خاص روح الفكاهة الشعبية، وأساليب حياة الناس، والعادات المحلية. ونستطيع أن نراها كلها في أعماله “عيد الحصاد”، و”به زاد”، و”عازف الدوتار”، و”عازف السورناي”، و”ضارب الدف”، و”نصر الدين أفندي” (نصر الدين أفندي: شخصية فريدة في الأدب الشعبي لشعوب آسيا المركزية، تشبه إلى حد بعيد شخصية جحا في الأدب الشعبي العربي.) ، وغيرها من اللوحات الجميلة التي رسمها خلال الأعوام 1982 – 1985، وانعكست فيها الألوان بشكل معبر تحاكي الأجسام البشرية، وتعكس كلها الألوان الزاهية والطبيعة البشرية، المتميزة في الفنون التطبيقية القومية الأوزبكستانية.
ومن الفنانين التشكيليين غير الأوزبك الذين تناولوا فن المنمنمات الشرقية في أوزبكستان فالنتين لوغوفسكي، الذي جاءت تجربته الفنية مغايرة تماماً لتجارب الفنانين الأوزبك. حاول من خلالها عكس الموضوع العام من خلال تكوينات محددة تسعى لتصوير مواضيع حياتية وتاريخية معينة. فنراه يصور شخصيات لوحاته بملابس شرقية تصور ذلك العصر، ضمن محيط من العناصر والآثار التاريخية والمواضيع والمواقف التي تتماشى والمرحلة التاريخية التي يصورها في لوحته، وهو ما نراه في أعماله “فرهاد في اليونان” المستمدة من قصيدة علي شير نوائي “فرهاد وشيرين” (1983) و”حديث فرهاد والوزير” (1983). وفي كل التكوينات المميزة للوحاته نرى ضخامة الملامح المميزة لوجوه شخصياته المعبر عنها والتي توحي إلينا وكأنها مكبرة عن عمد بواسطة العدسة المكبرة.
ومن النواحي المميزة للوحات فالنتين لوغوفسكي استخدامه للألوان الصافية البراقة غير الممزوجة، كاللون الزمردي، المتداخل بقوة مع اللون الأبيض واللون الأزرق، واهتمامه الكبير بتكويناته الدقيقة للخلفية المعمارية، وخطوطه الدقيقة المعبرة عن جمالية الزخارف التي تغطيها، وتمثل خطوطاً هندسية مربعة مكسوة بالفريسك الزاهي للوحاته الجدارية الداخلية. ومن التكوينات المميزة لأعماله المباني الآجرية، والأحواض ونوافير المياه، وأشجار السرو الرشيقة، وأشجار الشينار المعمرة، والسرادق المفتوحة.
وهو ما نستطيع ملاحظته بشكل كامل في أعماله “معركة فرهاد مع الأرخيمان” (1983)، التي حرص فيها فالنتين لوغوفسكي على إظهار مدى استيعابه للتقاليد الفنية لمدارس فنون المنمنمات في آسيا المركزية خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، واكتشافه للخصائص المميزة للتكوين المعبر في أسلوب منمنمات القرون الوسطى، التي سعى من خلالها لتصوير الأجسام البشرية وكأنها تضيع مع الطبيعة بخلفياتها وحركتها الانسيابية، وهو الأمر الذي يوحي إلينا وكأنه عن عمد كان يضخم شخصيات لوحاته، ليلفت الاهتمام نحو تكوين شكل الوجوه في لوحاته.
ولم تقتصر أعمال الفنانين التشكيليين الأوزبك في ثمانينات القرن العشرين على المواضيع التقليدية المستمدة من مؤلفات شعراء العالم الإسلامي الكلاسيكيين، بل راحت أبعد من ذلك، وأخذت منمنماتهم تصور مواضيع مستمدة من حياة شخصيات معاصرة. وهو ما نراه في أعمال الفنان التشكيلي أ. ألداشوف “طشقند في عام 2000″، وخالماتوف “العيد الشعبي” (1982)، و”فرغانة عروسة أوزبكستان” (1982)، وغيرهم من الفنانين التشكيليين، الذين يميلون في أعمالهم لتقنيات الفنون التشكيلية الشعبية. وهو ما نلاحظه أيضاً في أعمال الفنانين التشكيليين الأوزبكستانيين التي عرضت عام 1985 بمناسبة مرور 40 عاماً على انتصار العالم على الفاشية، وضمت من بينها أعمال الفنانين التشكيليين د. إيمينوفا، وف. لوغوفسكي، المنفذة بأسلوب المنمنمات الكلاسيكية، وكان من بينها الثلاثية الجدارية “سنوات 1941-1945” (1985)، التي صورت خلفية الحياة في القرية الأوزبكستانية خلال تلك الحقبة من التاريخ. واستخدما في تنفيذها تقنيات فنون وأساليب المنمنمات الكلاسيكية، وجاءت الثلاثية كتعبير متكامل في التكوين الذي شمل الطبيعة والعناصر المحيطة بكل تفاصيل الموضوع الرئيسي للوحة، والخصائص المحلية للألوان، التي تراعي العلاقة بين الألوان أثناء تحميلها على المساحة لتحقق أكبر قدر من التواتر في التباين اللوني، بين الألوان المستخدمة من الأزرق، إلى الأخضر، إلى الأحمر إلى البني، إلى الأسود كما هو متبع في لوحات المنمنمات القديمة، والتي تشكل مجموعة الألوان أساساً لها، مضيفة إليها الشفافية الحرة التي تميز الأشكال وتقلل من تعقيد التفاصيل الانتقالية، وكل تلك الألوان كما نعتقد ساعدت على خلق انطباع معين عند المشاهد، وزادت من قدرة اللوحة على محاكاة الرسوم المنمنمة القديمة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن من مميزات المنمنمات الحديثة الامتناع المتعمد عن التقيد بمبادئ زخرفة الفراغات واستبدالها بخلفية من البقع الملونة، مع إدخال بعض أساليب فن الغرافيك والأرابسك في تداخل الرسوم مع الخطوط المارة عبر المحيط العام للوحة لتمثل الشخصيات والمواضيع المعبر عنها في اللوحة. وببساطة يمكن القول أن ريشة الفنان تعطي لمسة سحرية للشخصيات من حيث الحجم والحركة، بعمل دقيق يعكس التفاصيل ويعبر عنه من خلال الألوان الجميلة، باستخدام الخطوط الذهبية بكثرة من أجل تصوير الخلفية، مع زخارف الملابس بما يشبه أعمال الرسامين القدامى. وهذا الأسلوب نراه واضحاً في لوحة أ. ألداشوف “طشقند في عام 2000″، التي استخدم فيها الزخارف للوصول إلى أبعد الحدود في التعبير.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design