إحياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 6

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري.
وطريقة شاه محمود محمد جانوف في المزج بين الطبقات الشفافة والطبقات الكثيفة أوصلته إلى تعبيراته اللونية الخاصة. ففي تكويناته لا نصادف تفاصيل تزيينية زائدة، قد تصرف الانتباه عن الشخصيات الرئيسية في اللوحة، وبالتالي يمكن أن تفرغ التعبير من مضمونه. لهذا نرى أن الفنان دائماً حرص على اكتشاف مضمون الموضوع الأكثر عادية وبريقاً. وهذا على ما نعتقد سر الأعمال التصويرية في لوحاته التي تظهر من خلال تكوينات سميكة وكثيفة تستعير من الرمزية الأشكال التي نستشف منها مدى مواهب الفنان وإمكانياته الفذة في الربط العضوي بين الأشكال الخيالية والأشكال الواقعية الحقيقة، التي تضفي على منمنماته طابعاً خاصاً، ولحناً خاصاً تتميز به.
وعلى سبيل المثال نورد الرسوم المنفذة بأسلوب المنمنمات لصفحات قصائد “شاه نامة” للفردوسي، و”طاهر وزهرة” لعلي شير نوائي، التي نفذها الفنان عام (1983)، فنرى أنها تتميز من حيث الأسلوب الفني الخاص في طريقة رسم الأجزاء الجانبية للتكوينات، وفي الحواشي والأطواق لصفحات الكتب المخطوطة، التي زينت بتقنية “زرفشان” (بقع ذهبية متناثرة)، فالنقوش تتكرر لتتابع موضوع القسم الرئيسي من اللوحة.
وهذا الأسلوب وكما هو واضح جاء من الأعمال التي تطورت في أعمال رسامي المنمنمات القديمة لمدارس المنمنمات في حواضر العالم الإسلامي تبريز، وهيرات، وسمرقند، وخاصة مظفر علي، ومحمود مذهب، وغيرهم من فناني العالم الإسلامي. وهذا الأسلوب بحد ذاته يظهر وكأنه يعكس جوهر الموضوع. وتمكن شاه محمود محمد جانوف مرة أخرى من اكتشافها وإعادتها للحياة عن طريق اكتشافه للتقنيات القديمة لأسلوب “زرفشان”، واستخدامه في بعض الأحيان من خلال النقوش والحواشي، المستمدة من التفاصيل السحرية القديمة، المعبرة، بالرمز الأسطوري.
وهذه المبادئ استعارها فنانون آخرون في رسومهم المنفذة بأسلوب المنمنمات. ولم تكن تقليداً أعمى للرسوم القديمة، لأن الاستعارة فيها انحصرت في المخططات التكوينية للوحة فقط. وهذا ما تؤكده أعمال شاه محمود محمد جانوف المتميزة بأسلوبه الخاص في رسم الأجسام الإنسانية والحيوانية، وجزئياً في رسم الخلفيات الطبيعية وفي بعض الحالات الخاصة. فهو دائماً يصور الخيول بلون أخضر غامق، ومقاطع الصخور بالألوان البنفسجية أو البنفسجية الفاتحة، والمرتفعات باللون الأزرق، والسماء بالألوان الذهبية. وبهذا تضفي الألوان على الرسوم بالتشابه وكأنها نسخاً أصلية للأعمال المنمنمة الإسلامية القديمة.
وهذه الاستعارة في أعمال الفنان من بعض وسائل التعبير الفني للرسامين في آسيا المركزية خلال الفترة الممتدة من القرن الـ 15 وحتى القرن الـ 18 الميلادي، والمتمثلة بالألوان الزرقاء القوية للسماء، وتصوير الغيوم مجعدة، على خلفية كثيفة ومحدودة، بل وندرة تصويره للأجسام الحية في التكوين، والتركيز على النمط التركي في اللون الأسود. كلها ساعدته على الوصول إلى التعبير الفني، وأعطت منمنماته مسحة سحرية متميزة، وخاصة في تلك المواضيع التي صورت مواقف غرامية، ونشاهدها في أعمال شاه محمود محمد جانوف “فرهاد وشيرين” (1983)، و”ليلى ومجنون في الصحراء” (1983)، والمستمدة من قصائد على شير نوائي، و”موت هرموز” (1984) المستمدة من “شاه نامة” للفردوسي. حيث اختار الفنان الوضع الملائم على مساحة اللوحة، كما في الرسوم الإيضاحية، التي رسمها عام 1983 وفق تقاليد المنمنمات الإسلامية في القرون الوسطى، كلوحته “معركة رستام مع التنين” التي رسمها عام (1984) والمستوحاة من قصائد “شاه نامة” للفردوسي. وصورت أشخاصاً يراقبون الأحداث من وراء التلال، ويلاحظ هنا اختلافهم عن التكوين العام للوحة من حيث الحجم عن سائر التفاصيل العامة المكونة للوحة. فاستخدام مثل هذه المساحة المتباينة في العمل ساعدته إلى حد كبير على تصوير الجو العام في اللوحة، والانطلاق من الجو العام للموضوع ذاته.
وعن انتشار هذه الطريقة عند رسامي المنمنمات الإسلامية القدامى في آسيا الوسطى كتب مؤرخون ونقاد فنيون أذكر منهم: بوغاتشينكوفا إ.، وريمبل ل.، اللذان أشارا إلى أن “.. المنظر الجانبي للناس والحيوانات ظاهر بوضوح بالمقارنة مع أجزاء المناظر الطبيعية والمباني، والمنحدرات الصخرية، والأنهار، والقصور، والخيم صغيرة الحجم بالمقارنة مع الأجسام البشرية، وكأنها موضوعة بالقرب من الخط الثاني أو الخلفي للوحة. ولكن كل من دخل في روعة المنمنمات الشرقية، لا تثيره هذه المقاييس، بالمقارنة مع التلاحم العضوي في الجزء الرئيسي لأسلوب المنمنمات. وأن هذا الأسلوب يعبر عن أجزاء في النظام المحدد للأشكال المعالجة، والتي تتضمن مجموعة من الأساليب الفنية المحددة، وتعكس بالكامل نمط التفكير الفني عند شعوب الشرق الأوسط”.
وتعتبر أعمال شاه محمود محمد جانوف مقدمة لظاهرة جديدة، شكلت اتجاهاً كاملاً في الفنون الجميلة بجمهورية أوزبكستان، وتتمتع بجذور عميقة، مبنية على رؤية حديثة، وحُرَفية فنية متجددة. وأعماله كلها نفذت بأسلوب فن منمنمات المخطوطات الإسلامية في القرون الوسطى، أو أسلوب التصوير المطلي، ومن خصائص هذا الأسلوب البساطة والفرادة، التي جمعت بين دقة الرسوم، والحركة المعبرة، وقوة الألوان وبناء التكوين بتعبير فكري وفلسفي.
ومن الفنانين الذين حرصوا على متابعة تقاليد الرسم المنمنم الذي سار عليه أساتذة الرسم القدماء، في الفن التشكيلي الحديث، الفنان التشكيلي الموهوب نياز علي خالماتوف. الذي تميزت تجربته في البحث عن أشكال فنية واضحة من خلال استخدامه المتوازن للألوان الدافئة والباردة. والألوان الصافية في الرسومات المنفذة بأسلوب فن المنمنمات عنده نشاهدها دائماً سميكة ومنصبة ومحاطة بالورنيش، بسيطة وصارمة. وفي نفس الوقت نرى أن تكويناته متواضعة بكتابات خالية من أي سواد. إضافة للتكوينات المعبرة، المبنية على الإيجاز في التصوير.
ونرى أن نياز علي خالماتوف كان يفرط بتقيده بالموضوع، ويصب جل اهتمامه دائماً على طريقة عرض الموضوع. فنراه يكرر المنظر الطبيعي في رسومه وأعماله ويهتم بالدقائق الثانوية التي كثيراً ما يكررها، وتظهر معها عناصر التكوين التي تلعب دوراً معيناً في الإطار العام للوحة (الجبال، الأنهار، البحيرات، الأزهار.. الخ)، ومع ذلك تميزت لوحاته بأسلوب خاص عكس من خلاله ملامح الوجه، في سعي منه لتحديد صورة معينة للأبطال الذين يرسمهم، ولو أنه اختصر عدد الشخصيات المشاركة في التكوين العام. ونلاحظ تركيزه على الأجسام من حيث توزيعها على المساحة مع تفاوت شديد بين الأشكال وطبيعتها.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design