مركزية حلب … هل تحطمت ؟؟

كتب الباحث محمد قجة من سورية

1 – ﻻنعني بالمركزية هنا دﻻلتها اﻹدارية أو السياسية التي تكون في العاصمة كمركز للقرار السياسي . وإنما نعني مقدرة مدينة ما على أن تكون مركزا اقتصاديا تتمحور حوله الصناعات والحركة التجارية . أو مركزا حضاريا في عمرانه وثقافته وفنه المتطور ورؤيته المرنة التسامحية .
2 – واﻷمثلة في العالم كثيرة على تركز الفعاليات اﻻقتصادية أو الثقافية والفنية في مدن تﻻئم ظروفها تلك الفعاليات من غير أن تكون العاصمة السياسية واﻹدارية للبﻻد . ومثالنا على ذلك :
شنغهاي في الصين . بومباي في الهند . كراتشي في باكستان . أصفهان في إيران . استانبول في تركيا . الدار البيضاء في المغرب . اﻻسكندرية في مصر . برشلونة في أسبانيا . نيويورك في الوﻻيات المتحدة . ريو دو جانيرو في البرازيل . مانشستر في بريطانيا . بطرسبورغ في روسيا . فرنكفورت في المانيا . روتردام في هولندا …. الخ …
3 – وفي إطار هذا المعيار تبرز حلب المحروسة نموذجا في تاريخها وموقعها ودورها الحضاري واﻻقتصادي المتميز .
ومن المعلوم أن محافظة حلب تقدم أكثر من نصف الميزانية السنوية للبﻻد . وليس هذا غريبا ﻷنها تستقطب أكثر الفعاليات اﻻقتصادية ومديرياتها العامة : الخطوط الحديدية . اﻷقطان . الحبوب والمطاحن . الزيوت ..الخ وهذه أمثلة وليست حصرية .
إلى جانب تمركز النسبة الغالبة من الصناعات النسيجية والغذائية والدوائية والتحويلية والتعدينية وسواها في مدينة حلب ومحيطها .
وهذا ما نعنيه بالمركزية اﻻقتصادية .
4 – وهذه المركزية ليست أمرا طارئا . بل هي امتداد لتاريخ طويل رغم العثرات والعقبات والمحاوﻻت المبرمجة لضرب هذا الدور المحوري لحلب . وقد كانت حلب النقطة المحورية التي تتوسط طريق الحرير العالمي لمدة اكثر من الف سنة .
ودعونا نمضي في رحلة عودة إلى التاريخ
– عام 1938 تم تجريد حلب من مينائها الطبيعي “اسكندرون”حينما قامت فرنسا بإعطائه إلى تركيا ، وقد أضعف ذلك موقع حلب اﻻقتصادي .
– بموجب اتفاقية “سايكس-بيكو 1916 ،وتوابعها تقلصت وﻻية حلب وانسلخت عنها مدن منطقة كيليكيا وأعطيت إلى تركيا
– عام 1869 تم افتتاح قناة السويس فأصبح طريق التجارة الدولية بحريا رخيصا بعد أن كان بريا يمر في مدينة حلب عبر قوافل من آﻻف الجمال تستوعبها خانات حلب . وقد خسرت حلب بذلك %93 من حجم تجارتها .
– عام 1822 ضرب الزلزال المدمر حلب فهدم وقتل أكثر من نصف المدينة وسكانها .
– عام 1497 تم اكتشاف رأس الرجاء الصالح بالدوران حول افريقيا . ولكن تأثيره بقي محدودا بسبب طول الطريق البحري ووجود القرصنة البحرية .
– وسبق ذلك التدمير الذي أحدثه “تيمورلنك” عام 1400 . وهوﻻكو عام 1260 ونقفور فوكاس عام 962 .
5 – وتعيش حلب الظروف الكارثية المدمرة التي تشهدها البﻻد في سنواتها اﻷخيرة .. وقد دفعت حلب الثمن الباهظ الذي يفوق الخيال من اقتصادها وعمرانها وتهجير أبنائها واستنزافها ونهبها المنظم وسوء الخدمات اﻷساسية فيها .. وما رافق ذلك من إجرام في التهديم المتعمد الممنهج للمدينة القديمة .
6 – ولكن حلب عودتنا وعلمتنا أنها أقوى من الموت وأعتى من المجرمين الذين دمروها .. وأنها تنهض دائما من تحت اﻷنقاض كما نهضت عبر تاريخها الطويل .
ولنا عودة للحديث عن مركزية حلب الحضارية والعمرانية والثقافية والفنية والكوسموبوليتية .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design