كيف نقودُ الكون؟!

كتب : صبري يوسف من السويد

إنَّ من أكبر الأخطاء المتفشّية في العالم أن تتصدَّر دولة ما قيادة الكون،لأنَّ تفرُّدها يقودُنا إلى صراع عالمي ويولّد نتائج كارثيّة على البشريّة جمعاء
إنَّ من أكبر الأخطاء الّتي أراها متفشّية بشكلٍ مريع في العالم هو موضوع تصدُّر دولة ما لقيادةِ الكون، وهي في حالة منافسة مميتة ومستمرّة مع دولةٍ أو دولٍ أخرى، وينشأ من هذا النّزوع في التّفرّد لقيادة الكون، صراع دولي بين دول كبرى وعظمى في قيادة العالم، سرعان ما يقودُ هذا الصِّراع وهذه المنافسات إلى نتائج كارثيّة غير محمودة لجميع أطراف الصِّراع. كم أشعر بالأسى عندما أجد هذه المنافسات تزدادُ تفاقماً في القرن الحادي والعشرين وما قبله وما بعده، وما تزال المنافسة قائمة بطريقةٍ مميتة ومرعبة وكأنّهم في حالة حرب دائمة فيما بينهم، وتنعكس هذه الصِّراعات والمنافسات على الكون برمّته، وكم أسخر من محاولات أميريكا الحثيثة لتسيُّد قيادة الكون، فلا يحقُ لأيّةِ دولة في العالم أن تطرحَ نفسها قائدة للعالم، لأنَّ هذه الرّؤية المستميتة لقيادة العالم، هي رؤية تسلُّطيّة، واقصائيّة، في الوقت الّذي نحن أو البشرية تحتاج إلى تعاون الدُّول مع بعضها بعضاً لقيادة الكون بشكل جماعي بما هو خير للبشر كلّ البشر، وعندما تطرحُ دولة ما مثل أميريكا أو روسيا أو الصِّين نفسها لقيادة العالم أو تسيُّد العالم بأيّة صيغة من الصّيغ، فإنّها تهدفُ بنزوعها هذا إلى استغلال دول العالم، ولا يحقُّ لأيّة دولة مهما كانت متقدّمة وغنيّة وقويّة أن تطرحَ نفسها بهذه الصّيغة الاستعلائيّة القياديّة الأحاديّة الصّارمة، لأنَّ قيادة الكون يجب أن تتمَّ من خلال دول الكون كلّها، من خلال ممثّلين عن كلِّ دولة ومن خلالِ سنِّ قوانين ودساتير جديدة تناسب قيادة الكون بشكل حضاري وفعلي من دونِ استغلال أيّة دولة لدولةٍ أخرى، ولا يجوز بأي شكلٍ من الأشكالِ أن تستغلَّ الدُّول العظمى الدُّول النّامية أو الدُّول الفقيرة، بل على العكس، يجب على الدُّول العظمى أن تبقى مساندة ومدافعة ومناصرة ومتعاونة مع الدُّولِ النَّامية وتسهم في تنميتها وتطويرها كي ترفع من واقعها الاقتصادي والسِّياسي والفكري والعلمي وكل ما يساعدها على تطوير نفسها والنُّهوض نحو الأفضل، ولكن ما أراه على أرض الواقع هو هذا الحماس المنقطع النّظير لأميريكا وروسيا والصِّين وغيرها من الدَّول على سيادة وقيادة العالم، فنحن إزاء هذه الصِّراعات سنكون في موقفٍ ينتهي بالدُّول المتصارعة على سيادة الكون إلى تفاقم الصّراعات إلى درجة يمكن أن تصلَ الدُّول المتصارعة إلى المواجهة والحروب الكارثيّة المفتوحة، كما حصل سابقاً صراعات بين أميريكا وروسيا فيما أُطلقَتْ عليها حرب النُّجوم، وبنفس الوقت كان بينهما حروب شعواء في المنافسات الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة فيما يتعلَّق بغزو الفضاء، وحتّى تاريخه ما تزالُ الصّراعات قائمة بوتائر متعدِّدة، ما بين أميريكا وروسيا في هذا السِّياق، وستبقى الصِّراعات قائمة ما لم يتم سنّ قوانين عالميّة جديدة تنظّم علاقات الدُّول مع بعضها بطريقة دستوريّة وقانونيّة، بحيث تدافع هذه القوانين الجديدة عن كل دُول العالم، بحيث لا تستطيع أيّة دولة أن تستغلَّ دولاً أخرى وتطرح نفسها قائدة وسيّدة العالم، فلا يجوز نهائيّاً لأيّة دولة أن تتفرّدَ وتتحكّم في العالم وتقوده بمفردها، لأنّها ستكون سلطويّة وقمعيّة واقصائيّة لبقيّة دول العالم وهذا المنهج هو قمّة الدِّيكتاتوريّة والقمع والاقصاء، ونحن الآن بأمس الحاجة لتطبيق كل سبل الدِّيمقراطيّة بين الدّول، خاصّة أنَّ العالم يسير إلى منزلقات كارثيّة في هذه الفترة الكونيّة العصيبة، بعد اجتياحِ جائحة كورونا في العالم، وكل دول العالم والبشريّة برمّتها بأمس الحاجة للتعاون للوقوف في وجه جائحة كورونا وأيّة جائحة وكارثة ممكن أن تحلَّ في العالم، وبرأيي كلّما تفرّدت دولة ما قويّة في قيادة العالم، وجدنا أنفسنا أمام جوائح جديدة بطريقة أو بأخرى، لأنَّ الّدولة الّتي تقودُ العالم تطرح نفسها سيّدة العالم وتخلقُ طرقاً جديدة في التَّحكُّم في العالم حتّى ولو قاد تحكُّمها إيجاد جوائح جديدة بين فترةٍ وأخرى، كي تتحكَّمَ بالدول من خلال هذه الجوائح، والَّتي هي كوارث جديدة وتخطِّطُ في الوقت نفسه للقضاء على الجائحة بعد استفحالها وعبر أسلوبها وبرنامجها كي تزيدَ قبضتها تحكُّما في العالم وتفرض على الكون شروطاً جديدة غالباً ما تكون البشرية منصاعة لهذه الشروط لأنَّ الدَّولة القائدة لا تقدّم سوى خيارٍ واحد وحلٍّ واحد، كما هو الأمر في وضع عالمنا اليوم فيما يتعلّق بجائحة كورونا، لأنّني أرى أن فيروس كورونا هو من فعل البشر وتمّ الاشتغال عليه منذ سنوات عديدة، وكيف تمَّ تصنيعه وكيف تمَّ انتشاره ليس موضوع مقالي وتحليلي؟ إنّما السُّؤال المهم الّذي يقودنا إلى هذه المتاهات هو هذا الشّغف والتّركيز على قيادة العالم، إذ يقودُ هذا النُّزوع بعض الدّول إلى تدميرِ البشريّة من أجل قيادة الكون للتحكُّم في اقتصاد العالم، ولهذا لا يجوز نهائيّاً أن تتفرّدَ دولة واحدة في قيادة العالم، لأنّها ستقوده إلى مسارات غير حكيمة وغير إنسانيّة وغير عادلة وغير دديمقراطيّة، لأنّ هدفها بالأساس هو هدف غير حكيم وغير عادل وقائم على الاستغلال والتَّسلُّط والتّفرُّد، ومن هذا المنظور أرى من الضّروري جدَّاً إعادة صياغة قيادة الكون من جديد بموجب سنّ قوانين ودساتير عالميّة جديدة عبر هيئات جديدة، بحيث أن تضمن هذه القوانين والدّساتير للدول حقّها في قيادة نفسها بنفسها وتسهم في قيادة الكون عبر ممثّلين عنها وتكون القيادة جماعيّة بحيث لا تطغى أية دولة على أخرى إلّا تقديم أفضل ما لديها لخدمة وقيادة البشريّة نحو الأفضل وتحقيق العدالة والوصول إلى مرافئ السَّلام والتَّقدُّم والتَّنوير والحياة الرّغيدة، بعيداً عن الاستغلال والحروب والصِّراعات والكوارث والجوائح وعن أي مواجهة وعنف مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ولا يمكن أن تتحقّق هذه التّطلُّعات إلّا في ظلِّ تعاون البشر ودول العالم جميعاً، ولا تتحقَّق هذه الآمال إلّا بإيجاد هيئات دوليّة جديدة تكفل تأمين حقوق الجميع من خلال سن دساتير وقوانين جديدة لكل الدُّول للقيام بدورها في قيادة العالم وبأسلوب إنساني ديمقراطي حضاري، بعيداً عن الاستغلال والحروب والسَّعي لتحقيق المزيد من الرّفاهية والحياة الرَّغيدة والتَّركيز على حلِّ مشاكل البشر والبشريّة والبيئة والكون من كافّة النّواحي، عندها سنجدُ أنّ الإنسان هو أرقى الكائنات، وهو الّذي يجب أن يقود الكون بهذا الإيقاعِ الشّامل إلى برّ الأمان الآن وغداً وعلى مدى كلّ الأزمان!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design