سبحان الله الواحد القهار

بقلم/ صبحي الجعفري

مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس موجودا معه”
كل شئ من المكونات صغر أو كبر في هذا الكون ، عاكف على وظيفته التي كلف بها بسر من النور الإلهي الهابط إليه و الساري في أعماقه .
و إذا لم يكن هنالك شئ ذو وجود مستقل يصلح أن يقوم حاجزاً يقصيك عن شهود الله ، لأن كل ما هو موجود مستنير بنور الله و دال على عظيم صنع الله ، فالمفروض إذن ألا يحجبك عنه شئ .
ألا تعلم أن في أعين الناس أعينا لاشية فيها و لا عيب ، و مع ذلك فهي تحدق في الأشياء دون أن تراها ؟
ألا تعلم أن فيها ما قد أُصيب بما يسمي عمي الألوان ، دون وجود أي عطب أو حائل ، فهي تُبصر الأشياء دون أن تدرك ألوانها
إن قاهرية الله عز و جل تجعل من اللاشئ شئ ، و تريك حال كثيرين من الناس و قد حُجبوا عن الله عز و جل بما ليس له وجود حقيقي ، أي بما ليست له كثافه ذاتيه تُغالب النور الإلهي الساري في كل شئ فتغلبه و تُغيبه عن البصائر و العقول .
و قاهرية الله لا تحتاج إلي أداة يستعان بها للستر و الحجب ، و إنما يتوقف علي القرار الإلهي ، و هذا ما يعنيه ابن عطاء الله في هذه الحكمة .
إن الذي غضب الله عليه يحجب عن شهود الله و الدنو من حضرته ، و المعاصي وحدها مهما كَثُرت لا تكون سببا للمقت أو الغضب الإلهي .
و بيان ذلك أن الذي لا يعاني من الإستكبار و ما يتبعه من عناد ، إنما يرتكب ما يرتكبه من الأوزار بسبب ضعفه و بسبب تغلب شيطانه و شهواته عليه ، ثم يندم علي مافرط منه فيسوقه الندم إلي التوبة و الاستغفار ، و من سنن الله في عباده أنه يقبل توبة التائبين منهم ، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
إذن فالمعصية التي تصادف قلبا موقنا بذل العبودية لله ، لا تكون سببا للقهر الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله ذلك القهر الذي يحجب العبد عن ربه
ليس في الكون ما يحجب عن شهود الله و لكن إذا أعمي الله قلب الإنسان بقهره لم ينفعه ضياء عينيه .
و خلاصة المعني :
إنه تعالي هو الغالب لعباده ، العالي عليهم بتذليله لهم و خلقه إياهم ، فهو فوقهم بالقهر و هم دونه ، و هو الحكيم في تدبيره ، الخبير بمصالح الأشياء و مضارها و لا تخفي عليه خوافي الأمور و لا بواديها ، و لا يقع في تدبيره خلل و لا في حكمته دخل .
هذه الحكمة تستمر في إقرار الحقيقة التي تبين :
أن الله سبحانه و تعالي خلق هذا الكون ، و أنه لا يزال يخلقه كل لحظة و كل حين ، و أنه لو قطع عنا الإمداد لفنينا و لم يبق منا شئ في هذا الكون .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design