قصة قصيرة نكهة الذكرى ..

كتب الدكتور مهند الشاوي من العراق

اجوب الشوارع التي علقت في ذاكرتي، ما زلت اتسلل إلى تلك الممرات الغائرة في عمق النفس.. الباعة أنفسهم لم يتغيروا كثيرا، العربات المتهرئة، حتى العربات القديمة لم تتغير كثيرا ! ربما تغير بعضها جراء إصلاحها المتكرر وربطها بالمسامير والأخشاب تارة، ومرة بربطها بسلك من المعدن (السيم).. تلك المرأة التي كانت تفترش الأرض مازلت أذكرها لكنها كبرت، حتما قد كبرت في خضم المجرات وما حصل ويحصل… بائع عصير الرمان الطبيعي ب 250 دينار للقدح الواحد.. أضحك في سري، سعره عجيب، هو هو بنفس مكانه الذي تركته فيه عند آخر زيارة… الحقيقة لا تغيير كبير في الشارع إلا في نفوس الباعة ونفوس المتبضعين والمارة ووجوههم التي اصابتها الشيخوخة المبكرة، وأمانينا البسيطة المنتحرة في ظل الخيبات… محل الأكلات الشعبية الذي كنا نتزاحم حول طعامه اللذيذ أنا والأصدقاء القدامى هو الآخر تغير، بل أختفى، أين هو يا ترى بين المحال… وجدته لقد تغير وأصبح محلا لبيع الأدوات الاحتياطية… النكهة نفسها وكأن الشارع لم يتغير عدا بعض الألوان الصامتة الحزينة التي تلفه.. النصب الكبير ما زال شامخا رغم التصدع الذي أصابه جراء الظروف الجوية، ولا أتذكر أنه قد تمت صيانته.
بائع الشلغم القديم (المايع) كما يحلو له أن يصيح كان صغيرا، أتذكره وهو يحمل كتبه المدرسية مسرعا يساعد أبيه في البيع على العربة المزركشة بألوان الزخرفة وعبارة (توكلت على الله)، وتعلوها علب الدبس والملح وبعض الصحون الصغيرة، وذلك الوعاء الكبير المملوء بالماء… سألته عن ابيه قال: لقد توفاه الله… أخذت بخاطره وانصرفت.

__________________

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design