كيف نقودُ العالم؟! ** بقلم/ صبري يوسف من السويد

 

***
دساتير مهزومة أمام تسارع التَّطوُّرات المذهلة لهذا الزّمن
17
يتقدَّمُ عصرُنا منذ عقودٍ من الزّمن تقدُّماً هائلاً ومسرعاً للغاية، وما تزال دساتير الكثير من دول العالم على حالها منذ قرون من الزَّمن، دون أي تغيير فيها بما يناسب تغيُّرات وتطوُّرات ما يحصل في العالم، لهذا أرى أن أهم أسباب فشل الكثير من دول العالم أنّها ما تزال تعتمد على دساتير قديمة بالية، عفا عنها الزّمن مقارنةً بما حصل ويحصل من تغيُّرات في العالم، فهل من المعقول أن تسيرَ أيّة دولة في العالم في الوقت الرّاهن، بموجب قوانين ودساتير كانت سائدة منذ قرن أو نصف قرن، وفي كل يوم نجد آلاف المتغيّرات تحصل في العالم، لأنَّ كل شيء قد تغيّرَ على كافّة الأصعدة؟ ولهذا يجب أن تواكب القوانين والدّساتير في كلِّ بلاد العالم تطوُّرات ما يحصل في العالم، وإلّا ستبقى هذه الدُّول الَّتي لا تضع دساتير وقوانين جديدة تلائم واقع التَّطوُّرات في حالة تخلُّف كبير، وهذا ما نراه اليوم في الكثير من دول العالم الّتي ظلّت تتشبّثُ في قوانين لا تصلح حتّى في زمن انطلاقتها الأولى مقارنةً حتّى في ذلك الزَّمان، فكيفَ ستناسب هذا الزَّمن الّذي أصبح بمقدور طفل أن يعرف بكبسة زر ما يحصل في كلِّ بقاع الدّنيا من متغيِّرات، ومع هذا هناك الكثير من الدُّول، ما تزال تقود بلدانها بموجب قوانين لا تناسب إطلاقاً ما وصل إليه إنسان هذا الزّمان، ولهذا نرى تخلخلاً في الكثير من بلدان العالم وصراعات مريرة بين الدّول، بسبب هذه الفروقات فيما بين الدّول، ولهذا أيضاً وصلت البشريّة إلى حالة انحدار في علاقاتها مع بعضها بعضٍ، ونشبت الكثير من الحروب والصّراعات، وقد وصل الكثير من الدُّول إلى قمّة القمم وظلَّت الكثير من الدُّول وكأنّها تعيشُ في العصور المظلمة والظّالمة إلى درجة وكأنّها خارج التّاريخ! ولو ألقينا نظرة على أغلب بلدان العالم الثّالث والدُّول العربيّة، لوجدنا وكأنّها خارجة عن حركة التّاريخ المعاصر، وكأنّها ما تزال في العصور الغابرة في أغلب توجّهاتها وبرامجها ودساتيرها، فهل يوجد بلد متقدّم في العالم وهو في حالة حرب مع شعبه ومواطنه؟ هل نجدُ في أوروبا في الوقت الرّاهن دُولاً في حالة صراع وحروب مباشرة مع مواطنيها أو مع غيرها من الدُّول، مهما كانت الخلافات والصّراعات على أيّة قضيّة كانت مهما كانت صغيرة أو كبيرة؟ لأن الصِّراع والخلاف في الغرب والدُّول المتقدِّمة سواء الأوروبيّة أو الغربيّة أو أيّة دول متقدّمة هو صراع فكري وفي وجهات النّظر وفي طريقة التّفكير، وكل هذه المنافسات تخضعُ تسويتها إلى الدّستور والقوانين السّائدة في البلاد، وليس هناك أي توجّه من قبل القيادات السِّياسيّة إلى العنف والحرب والصّراع المباشر، بقدر ما هو صراع فكري يخضع للنقاش والحوار والانتخابات وتطبيق القوانين والدّساتير على الجميع، بينما في بعض دول العالم ما تزال الرّصاصة والقوّة والتّسلّط والعنف والقمع والحرب والقتل والخراب والدَّمار هو سيّد الموقف، وهذا دليل أنَّ لا دستور ولا قانون في هذه البلدان على الإطلاق، ولهذا يجب على كل دول العالم، وخاصّة الَّتي تسير بموجب القوّة الغاشمة أن تغيّر دساتيرها وتضع دساتير جديدة توائم حضارة هذا العصر وهذا الزّمن، ويجب أن تسنَّ قوانينها ودساتيرها كما هو مناسب لهذا الزَّمن وتستمدُّ قوانينها من أسس الدِّيمقراطيّة والحرّيّة والعدالة والمساواة، بعيداً عن أيَّةِ تعصُّبات دينيّة وقوميّة وعشائريّة وطائفيّة ومذهبيّة، لأنَّ الإنسان هو إنسان وعليه أن يحكم بموجب إنسانيّة الإنسان الَّتي تصونها القوانين والدَّساتير، بحيث تلائم جميع المواطنين والقانون يكون فوق الجميع، وإلّا فإنَّ البلدان الّتي لا تواكب حضارة وقوانين هذا العصر، ستبقى في حالة صراعات وخراب وحروبٍ دائمة، وبرأيي أنَّ تخلّف هذه البلدان ناجم عن عدم بناء طفل سوي وطبيعي ومتحرّر من التَّعصُّبات الدِّينيّة والقوميّة والمذهبيّة والطّائفيّة في الكثير من البلدان الشّرقيّة والعربيّة ودول العالم المتخلِّف، لأنَّ بناء الإنسان بناءً فكريّاً سليماً هو الّذي يقود إلى قيادة البلاد بشكلٍ سليم، بحيث يتشرّب الطّفل وهو في بطن أمّه كل ما يحتاجه وتحتاجه الأم الحبلى له وهو في أحشائها وهو يولد ويحبو إلى أن يصبح شابّاً خالياً من كلِّ هذه الصّراعات، لأنّ نمو الطّفل/ الإنسان في البلاد المتخلّفة يتمُّ بشكل خاطئ ويتعلّم تعليماً خاطئاً ويتم حشو فكره وذهنه ومخّه بما يقود إلى الصّراع والعنف والاختلاف والحرب ولهذا من مليار مليون المستحيلات أن تقنع طفلاً ترعرع في بيئة خاطئة ومتعصِّبة ومتشدِّدة منذ أن تحبل أمه به وحتّى وفاته بتصارعه مع الآخر، كيف سنقنع شخص ما هو على النّقيض من الآخر من ألف زاوية وزاوية، دينيّاً ومذهبيّاً وقوميّاً وفكريّاً؟ هذه مشكلة غير قابلة للحل أبداً، إلّا إذا غيّرت البلاد توجُّهاتها الفكريّة والتّعليميّة وسنّت قوانين ودساتير جديدة بحيث يُنظرَ إلى المواطن كمواطن وإلغاء كل ما يقودنا إلى الصّراع والعنف والحرب والمواجهة، ولا يجوز بأي شكلٍ من الأشكال أن يتسلَّطَ أي طرفٍ على آخر، ولا يجوز إعطاء أولويّة لدين ومذهب وقومية وطائفة على أخرى، بل يجب إعطاء الأولويّة للجميع كبشر كمواطنين لهم وعليهم نفس الحقوق والواجبات، وإعطاء لكلّ مواطن حقّه بحسب عطاءته وقدراته، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، لا أن نمنح لسين أو صاد من النّاس مميّزات وأولويّات معيّنة لأنّه ينتمي إلى هذا الدِّين أو المذهب أو القوميّة أو العائلة ونتركه يقود البلاد وربّما لا يستطيع قيادة نفسه وأسرته وقيادة قرية، فكيف سيقود البلاد والشّعب؟ لهذا فإنَّ تقدُم أيّة دولة في العالم يرتكز على توفير الدِّيمقراطيّة والحرِّيّة والعدالة والمساواة وسنّ قوانين ودساتير تضمن حقوق المواطن بغضِّ النّظر عن أي منظور ديني أو طائفي أو مذهبي أو عرقي أو قومي، وبهذه الحالة سينتفي الصّراع وتنتفي الحروب ويبقى الإنسان المعطاء والمناسب هو سيّد الموقف، وسيعمل كل مواطن من موقعه بحسب إمكانيّاته وعطاءاته، وسيتطوَّر وينهضُ المجتمع بكلِّ قطّاعاته ابتداءً من أصغر مشروع إلى أكبر مشروع في الدَّولة، وستصبح المنافسات لبناء الوطن هو الهدف الأكبر، وليس تهديم الأوطان كما نراها في الكثير من الدُّول النَّامية والمتحجِّرة الّتي تختلف على قضايا عفا عنها الزَّمن وأصبحت منذ قرون من الزّمن من الماضي ولكنّها ما تزال تنتهج منهجها، فإلى متى ستبقى هذه الدُّول تسير في هذه الخنادق المميتة وفي الظّلمة الظّالمة ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين؟! ولا يمكن الخروج من المآزق الّتي تعاني منها هذه الدُّول من دون سنّ قوانين ودساتير جديدة تواكب وتوائم حضارة العصر كي تلتحق بالدول المتقدّمة وتلحق برحابها وتبني مجتمعاتها على الوجه الأكمل، من دون أن تهدر قطرة دم لأي مواطن من مواطنيها، لإنَّ الإنسان هو جوهر الحياة ويجب المحافظة على هذا الجوهر بموجب قوانين ودساتير حضاريّة كما هو سائد في الدّول المتقدِّمة!

يتبع

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design