” الخريف ” – قصة قصيرة من إبداع الكاتبة هدى حجاجي ….

السماء من الفضة الصافية لكن الكآبة فى نفس الرجل أشد. رحل عن الوطن ثم عاد إليه ومعه حفنة مال. هل جاء ليعيش هنا؟ أم ليموت هنا كالأفيال؟ يعرف مقبرته ويستشعر النهاية بعد ما زحف الوهن وتنملت الأطراف وركدت الهمة وفقد الرغبة فى الانطلاق. العرق يطفح من مسام جلده المكرمش. ووجهه الملىء بالتجاعيد كثمرة عنب عفا عليها الزمن.
ثمة شجرة فى الخارج تحت الشمس، وغبار ينتشر من خلال النافذة. بوسعه أن يضغط على جرس فيأتى من يقفل النوافذ، لكنه يخاف العزلة والصمت. لا أصدقاء. مات آخرهم فى شقته وظل لمدة أسبوع حتى أعلنت رائحة العفونة عنه. ولكن ذلك لن يحدث له. لماذا؟ بسبب المال.
المال هو الذى يجعل الممرضة تتحمل رائحة البول فى الملابس، ويجعل امرأة أخرى تغسل ثيابه المليئة بالغائط. المال يظهر له أقارب كان قد نسيهم. يشغلهم الميراث والنهب القانونى، فأى معنى للحياة؟
الناس! أين هم الناس؟ البواب وزوجته والخادمة والممرضة والطبيب ليسوا ناسوا. إنهم وظائف مختلفة.
آلام رهيبة فى الظهر. لا يستطيع تحريك قدميه. أين صورة الشاب الفتوة ذى الشارب الذى يقف عليه الصقر؟ أين الرياضة العنيفة ورحلات الصيد فى أحراش أفريقيا؟ التزحلق على الجليد فى ثلوج أوروبا؟ ملامسة عشرات النساء الجميلات بشغف؟
أيام الخرافات ذهبت مع الزمن الجميل. مع عصر الماموث والمجهول. ثمة شجرة فى الخارج تلطمها الرياح، تئن، يسمع الأوراق تتساقط فى خشوع واستسلام. الذباب يحوم حوله يفرك شعره الملىء بالشيب. يقولون إن الذباب يدل على وجوه الموتى؟ معقول هذا الكلام؟
■ ■ ■
تأتى امرأة حسنة المظهر. رشيقة صغيرة السن وصغيرة الجسم، نشيطة، قوية، تعمل فى إصرار وهدوء وصبر. والعجيب أنه يطالعها فى صمت ويراقب انفعالاتها. يتعجب منها لأنها لا تشمئز منه. لا أحد يخدم بلا مقابل. النقود. النقود!
ذبابة لعينة تحط على عينيه يهشها بكفه الضعيفة المعروقة. العرق يتسلل فى خيوط رفيعة إلى عينيه. رفع بأصابعه النحيلة الملاءة البيضاء. تفوح رائحة البول. يخجل من نفسه وهو يقارن بينه وبين المرأة المعطرة الجميلة فى زيها الأبيض النقى. العجيب أنه لا يبدو عليها أى قرف. تأتى المرأة بخرقة مبللة بماء دافئ تمسح له ما بين رجليه، ترش عليه العطر، تأتى له بثوب آخر نظيف مكوى. آه لو كان فى الدنيا أى عدل لذبحونى على الفور!.
سألها بحب استطلاع: «كم عمرك أيتها الحسناء؟». تطلعت الى وجهه وابتسمت: «ثلاثون عاما». «متزوجة؟». «ما الذى يجعلك تظن ذلك؟». «إذا لم تكونى متزوجة. فمن المؤكد أن الرجال أصابهم العمى».
نكست رأسها وقالت: «أرملة يا سيدى». ابتلع ريقه: «آسف فأنت جميلة صغيرة، كيف أصبحت أرملة؟». قالت: «الموت يأتى إلى الناس دون التقيد بأقدمية السن أو الصحة».
سألها: «ألا تشعرين بالكآبة وأنت تقومين بهذا العمل الوضيع؟» وأشار إلى جسمه هو. قالت: «حسن ولماذا أشعر بالكآبة؟ إننى أشعر بالسعادة لأن هناك من يحتاج مساعدتى. لمجرد أننى نافعة فى الدنيا. ثم لماذا أشعر بالكآبة وهناك طبيب يحلل البول والبراز والدم؟ بل هناك من يقضى عمره بين مواسير المجارى. إنها مهن إنسانية إلى أقصى حد».
هز رأسه الأشيب- بحركة ميكانيكية- وصرخ صوت فى أعماقه: «لا ضرورة لأى شىء. كل تعب الإنسان يذهب الى المهملات. الأشياء الجميلة تسقط فى الأشياء القبيحة، والريح تكنس كل شىء».
■ ■ ■
لم يعد هناك إلا العد التنازلى. الشجرة ينهشها الخريف، والمرأة تنصرف. سمع صوت الباب الخارجى يُقفل بإحكام، ويهيل الصمت على المكان.

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design